بحسب وكالة أنباء آستان نيوز، فمنذ صباح اليوم وحين لم تكن الشمس قد بسطت أشعتها بالكامل بعد على القبة الذهبية لشمس الشموس، امتلأت الشوارع المؤدية إلى الحرم فلم يعد فيها موضع إبرة. جوّ مشهد الرضا (ع) ثقيل اليوم مفعم برائحة الحرمل وماء الورد وغصات محبوسة في الحناجر لتنفجر عند لحظة الوداع.
في هذه الساعات المشحونة، لا يُعد شارع الإمام الرضا (ع) مجرد طريق للمرور، بل هو شريان نابض بمشاعر الناس الطاهرة، الذين قدموا من أجل وداع تاريخي.
لم يتبقّ سوى القليل من الوقت على الإعلان الرسمي لمراسم التشييع والوداع، ولكن فقدَ الوقت معناه بالنسبة للمحبين الذين وصلوا إلى الحرم الرضوي من أماكن بعيدة وقريبة. يسيل طوفان الحشود بهدوء واستمرار كالنهر المتدفق نحو رحاب الحرم الرضوي الشریف.
الأبصار شاخصة نحو نهاية الشارع وفي عيون كل زائر يرتسم انتظار اللقاء الأخير
هذا الحضور المبكر والمنقطع النظير هو ترجمان ذلك العشق الراسخ الذي يكنّه الناس لسيد إيران الشهيد؛ عشق لا يخمد بالشهادة فحسب، بل يزداد توهجا في الصدور.
الألوان والرموز في هذا المحيط البشري تروي حكايات لم تُرو. ترفرف الأعلام الإيرانية ثلاثية الألوان فوق الأيدي إلى جانب صور القائد الشهيد وقائد الثورة الإسلامية، لتُثبت أن راية هذا النهج لن تسقط أبدا.
لكن ما يلفت الأنظار أكثر من أي شيء آخر ويضفي على أجواء الشارع طابعا ملحميا هو حضور رايات «يا لثارات الحسين (ع)» الحمراء وسط حرارة الظهيرة اللاهبة في مدينة مشهد. هذه الرايات ليست مجرد رمز، بل هي حاملة لرسالة عهد تاريخي.
تكسر صرخات الغضب المدوية والقوية، بشعارات «الموت لأمريكا» و«الموت لإسرائيل»، صمت الانتظار الثقيل وتُظهر أن حرقة هذا الفقد قد امتزجت بإرادة فولاذية للمطالبة بالثأر.
وفي خضم هذا الموج الهادر من الولاء والمشاعر، أضفى حضور شخصيات مميزة بُعدا آخر على المراسم. ففي زاوية من الجموع تجذب الأنظار عيون والدي الشهيد المفقود الأثر من مدينة ميناب «ماكان نصيري» الدامعةُ والصامدة بنفس الوقت.
إنّ حضور هؤلاء القدوة في الصبر والاستقامة بين المشيعين يُجسّد الرابط العميق بين أجيال التضحية المختلفة. فهم الذين يدركون ألم الفراق حق الإدراك، قد جاؤوا اليوم ليشاركوا الشعب الإيراني في عزاء القائد الشهيد. إنّ هذا التضامن في الحزن والصمود هو أجمل لوحة رُسمت اليوم في هذا الشارع.
تقترب عقارب الساعة من الوقت الموعود وتفسح الغصات المكتومة المجال تدريجيا للمراثي الشجيّة.
إنّ هذا اللقاء الأخير في رحاب الرضا (ع) الآمنة ليس النهاية، بل هو بداية لنموّ متجدد في مسيرة الثورة؛ المسار الذي سيبقى مشرقا وزاخرا بسالکي هذا النهج بفضل دماء الشهداء إلى الأبد.