مع اقتراب الأيام الأخيرة من مهلة التسجيل في المسابقة الدولية «ميناب؛ العمارة: ما وراء السلوان، من أجل السلام والحياة»، أتاحَت مشاركة مصممين من 47 دولة حول العالم حتى هذه اللحظة زخماً دولياً لتخليد مظلومية "ملائكة ميناب" ضمن قالب تصميمي يبعث على السكينة والسلوان.
إن روضة شهداء ميناب مكان يستحق أن يُسمّى «واحة النور». فالارتباط الوثيق والدائم للعائلات بهذا المكان جعل الآباء والأمهات المفجوعين يتخذون من الروضة ملاذاً لخلوتهم بعيداً عن صخب الحياة اليومية، حيث يقضون أحياناً ساعات الليل والنهار بجوار أضرحة أطفالهم. ويعكس هذا الحضور المستمر ألماً تحوّل إلى «صدمة نفسية»؛ وهو جرح لا ينبغي النظر إليه بقوالب نمطية ومكررة، بل يتطلب إعادة صياغة عمرانية ومكانية قادرة على تحويل عبء هذا الفقد إلى مساحة للسكينة والشفاء.
من «الحلم الناقص» إلى "ميناب ضد النسيان"
أوضح سعيد مهربويا، مدير المسابقة الدولية لتصميم المشهد والمساحة التذكارية لروضة شهداء مدرسة ميناب، في حديث لمراسل صحيفة القدس، مسار تطور اختيار الفكرة العامة لهذا الحدث قائلاً: طُرحت في البداية مقترحات مثل عنوان «الحلم الناقص» للمسابقة؛ وهو اسم يركز على سلب الطفولة والآمال الضائعة لأولئك الملائكة. لكن من خلال الدراسات الميدانية واللقاءات المتكررة مع العائلات الثكلى، وجدنا أن هذا العنوان يروي الحزن من زاوية واحدة فقط (الفقدان والجريمة)، وقد يسهم لا شعورياً في إعادة إنتاج الصدمة النفسية لدى المتلقي.
وأضاف: بناءً على ذلك عدّلنا المسار نحو مفاهيم «السلوان» و«السلام والحياة»؛ لأننا نؤمن بأن هذه الحادثة المؤلمة تحتاج إلى رسالة تنبض بـ«الحياة» أكثر من حاجتها إلى رثاء وتفجّع. كما أن اختيار شعار «ميناب ضد النسيان» يمثل موقفاً صريحاً في مواجهة مرور الزمن والصمت اكثر من كونه مجرد اسم، وتحذيراً لإبقاء الضمير العام يقظاً، وعلامة ملموسة تؤكد أن صوت مظلومية هؤلاء الأطفال الأبرياء وجريمة العدو لا ينبغي أن يخفت في صخب الأيام.
هيكل مكاني يوازن بين رواية الألم وسلوان المفجوعين
وأكد مهربويا، شارحاً اللغة المعمارية المرجوّة في هذا الحدث: يكمن التحدي الأكبر للمصممين في هذا المشروع في خلق توازن دقيق بين تجسيد الحزن وبث الأمل؛ إذ يجب أن يتم التصميم بطريقة تجسد مظلومية الأطفال المؤلمة وثقل الجرح من جهة وألا ينزلق إطلاقاً إلى فخ إعادة إنتاج الصدمة واليأس من جهة أخرى، بل يبتكر فضاءً يمنح العائلات الثكلى الهدوء والخلوة والتأمل وسكينة القلب.
وأشار قائلاً: إن المخاطب الرئيسي والوجداني لهذا المعلم التذكاري، وقبل أي شخص آخر هم عوائل الشهداء الأعزاء؛ لذا ينبغي للبنية المعمارية لهذه الروضة أن تبعث إليهم رسالة صريحة وخالدة مفادها: إننا لم نتجاهل هذا المصاب الجلل ولم نترككم وحدكم وهذه الفاجعة لن تُنسى أبداً.
وعاء العمارة في خدمة جوهر الحياة
وتابع مدير المسابقة الدولية قائلاً: إن اختزال العمارة في عناصر جمالية بحتة أو وظائف شكلية يمسّ بأصالتها؛ فالعمارة في جوهرها هي «تدخل واعٍ في البيئة» لتلبية الاحتياجات الروحية والعاطفية والجسدية للإنسان. وبناءً عليه، فإن «الحياة» في هذه الواقعة هي المضمون والجوهر و«البيئة والمكان» هما الوعاء الذي يتعين عليه مداواة هذا الألم القاسي. وقد قام التوجه الاستراتيجي لهذا المشروع على أساس «العمارة الباعثة على السكينة والسلوان»، ليكون المكان بلسماً يخفف عن المفجوعين بدلاً من أن يكون بيئةً تعيد إنتاج الأحزان.
3 خطوات خالدة لمنع نسيان ميناب
وأوضح مدير المسابقة في سياق تبيين أسباب إطلاق هذه المبادرة: يجري العمل على ثلاث خطوات محورية وتكاملية لكيلا تضيع هذه الفاجعة المؤلمة في غياهب الزمن، اثنتان منها حُددتا بتوجيهات من متولي العتبة الرضوية المقدسة، وتعد مسابقة تصميم المشهد والمساحة التذكارية لروضة الشهداء أحد هذه الأضلاع. وفي الخطوة الأولى سيتم الحفاظ على مبنى المدرسة وموقع الحادثة وتحويلهما إلى «متحف» ليبقى وثيقة حية وشاهدة على هذه الجريمة في الذاكرة التاريخية للبلاد بناءً على قرار المؤسسات الحكومية.
وأشار إلى الخطوة الثانية المتعلقة بأمر تشييد مدارس «الشجرة الطيبة» قائلاً: أُدرج في جدول الأعمال بناء ثماني مدارس في ثماني مناطق محرومة ومحدودة الخدمات في البلاد بجهود العتبة الرضوية المقدسة تخليداً لاسم وذكرى هؤلاء الأطفال الأبرياء، ليعود قنديل «المعرفة والحياة» الذي انطفأ في ذلك الصف الدراسي ويشتعل مجدداً في ثماني بقاع أخرى من إيران.
وأضاف مهربويا: أما الضلع الثالث فهو تنظيم وتصميم روضة شهداء ميناب والمساحة المحيطة بها والبالغة 8 آلاف متر مربع، ليصبح مرقد هؤلاء الأطفال الأبرياء مكاناً خالداً يبعث على الهدوء والسكينة.
دبلوماسية الفكر واختراق الحواجز الإعلامية
وأكد مهربويا التخطيط لإتاحة المشاركة المجانية في هذه المنافسة التخصصية قائلاً: كانت أولويتنا الرئيسية هي توفير فرصة التغطية الإعلامية وربط النخب والمصممين من داخل إيران وخارجها مباشرة بعمق هذه المأساة. وبهذا النهج، سُجلت حتى الآن أكثر من 200 ألف زيارة للموقع الإلكتروني التعريفي بالحدث من 119 دولة على الأقل، كما حُمّلت وثائق وكرّاسات المسابقة أكثر من 7 آلاف مرة، ما يعكس الصدى الواسع لهذه المبادرة الإنسانية.
مشاركة مصممين من 47 دولة على أعتاب مرحلة التحكيم
وقدم مدير الحدث إحصاءات حول وتيرة المشاركات الراهنة مشيراً إلى أنه: في الوقت الذي يتبقى فيه أقل من أسبوعين على نهاية مهلة التسجيل، سجّل مصممون من 47 دولة حول العالم أسماءهم في هذا الحدث، حيث تبلغ حصة المشاركين من داخل إيران نحو 72%، في حين تقترب نسبة مشاركة المصممين الاجانب من 28%.
واختتم مهربويا بالتأكيد على شمولية وتعدد أبعاد التحكيم قائلاً: تنطلق هذه المسابقة من قناعة بأن تصميم المشهد والمساحة التذكارية لروضة شهداء مدرسة ميناب ليس مجرد مسألة هندسية أو معمارية، بل تتداخل فيه أبعاد إنسانية واجتماعية وثقافية وفنية ونفسية. ولهذا الغرض تشكلت لجنة التحكيم من سبعة خبراء بارزين من الطراز الأول محلياً وأجنبيا لتقييم الأعمال وتصنيفها.
كما أنه نظراً لأهمية الموضوع وتعقيده، تقرر أنه بعد اختيار لجنة التحكيم للأعمال المتأهلة إلى المرحلة النهائية، ستتم دعوة نخبة من أصحاب الاختصاص في مجالات مثل الفن والسينما والأدب والعلوم الاجتماعية وعلم النفس وغيرها من التخصصات ذات الصلة، لتقديم رؤاهم وملاحظاتهم التخصصية حول المشاريع المختارة.
وبالإضافة إلى إعلان الأعمال الفائزة، سيتم حفظ ونشر المُخرجات العلمية والمهنية والثقافية لهذا الحدث إلى جانب وثائق المسابقة بوصفها جزءاً من إرث هذا المشروع، لتبقى متاحة في المستقبل لأغراض البحث والتعليم والحوارات المهنية. وبناءً على توجيهات متولي العتبة الرضوية والجدول الزمني المعتمد ستنطلق أعمال التنفيذ الميدانية تزامناً مع الذكرى السنوية لهذه الفاجعة الأليمة عقب انتهاء مراحل المسابقة واختيار التصميم المعتمد للتنفيذ واستكمال المخططات الفنية.