وبحسب تقریر وکالة أنباء آستان نيوز، فإن الزائر حين يدخل الحرم الرضوي الشریف، يبحث قبل كل شيء عن فرصة للزيارة والسكينة والحضور في فضاء معنوي؛ وهو طريق يمر عبر الصحون والأروقة، مصحوباً بالعمارة التاريخية والزخارف الفنية، ويصل أحياناً إلى الاستفادة من المرافق الخدمية في هذه المجموعة. ولكن وراء هذه التجربة، تجري مجموعة من الأنشطة العمرانية والفنية والصيانة؛ وهي أنشطة، وإن لم تكن مرئية دائماً، إلا أنها تؤدي دوراً في الحفاظ على جودة المكان واستمرار تقديم الخدمات.
الهندسة في خدمة تجربة الزيارة
الحرم الرضوي الشریف مجموعة تاريخية وحيّة؛ فضاء يجب أن يحافظ في الوقت نفسه على قيمه المعمارية والتاريخية وأن يستجيب لاحتياجات الزائرين اليوم. وهاتان المسؤوليتان تحوّلان صيانة المباني وأماکن الزیارة إلى عمل يتجاوز الإصلاحات المعتادة. يجب أن يتم كل إجراء بالنظر إلى الخصائص المعمارية، وظروف الاستثمار والتشغيل، وضرورة الحفاظ على وظيفة المکان.
وتكتسب أنشطة منظمة الإعمار والصيانة في الحرم الرضوي معناها في مثل هذه البيئة؛ بدءاً من العناية بالأقسام التاريخية والعناصر المعمارية وصولاً إلى تنظيم الأماکن التي تُستخدم يومياً لتقديم الخدمات للزائرين. ويُنفذ جزء من هذه الإجراءات في إطار مشاريع الترميم، ويُخصص جزء آخر لإصلاح النواقص، وتحسين ظروف استثمار أماکن الزیارة والارتقاء بمستوى السلامة.
عندما تبدأ الصيانة قبل بروز المشكلة
الاهتمام بالتفاصيل من الجوانب الأقل رؤية في إدارة مجموعة زيارية كبيرة، وقد لا تبدو ذات أهمية بالغة للوهلة الأولى؛ مثل مسارات الوصول، وكيفية التنقل، والإضاءة، والتهویه، ووضع المعدات، وكيفية استخدام الأماکن الخدمية. ومع ذلك، فإن هذه العوامل يمكن أن تؤثر على راحة الزائرين وزیادة حضورهم.
تُعد خطة إعادة ترتيب مضيف «الغدیر» نموذجاً لهذا المنظور. ولا يقتصر الأمر في هذا المشروع على تغيير مظهر المکان فحسب؛ بل أُعير الاهتمام أيضاً لمسارات الدخول والخروج، وكيفية توزيع المساحات داخل المضیف، وظروف الضيافة، والإضاءة، والتهوية، والسلامة. ويُتابع توقّع إصلاح مسارات الحركة وتنظيم الأقسام الخدمية بهدف الاستخدام الأمثل للطاقة الاستيعابية المتاحة وتحسين جودة استضافة الزائرين.
وفي هذه الخطة، تحظى السلامة بمكانة مهمة أيضاً؛ ومن ذلك إصلاح مسارات الخروج الاضطراري وتوقع التدابير المتعلقة بالحماية من الحرائق. وربما لا يلاحظ المراجعون هذا الجزء من العمل في تجربتهم العادية، ولكنه يُعد من الضروريات الأساسية في تصميم وإعداد الأماکن العامة.
كما يُعد بناء دورات المياه الجديدة في الحرم الرضوي الشریف، مثل دورات المياه في رواق «دار الحجة»، مؤشراً على المساعي الرامية إلى زيادة الرفاهية والتسهيلات للزائرين، والتي نفذتها منظمة الإعمار والصيانة في الحرم، حيث وُضع ما مجموعه 72 وحدة صحية تحت تصرف الزائرين.
ولا يجيب هذا المشروع على الاحتياجات الملحّة للزائرين فحسب، بل حلَّ أيضاً تحديات فنية وهيكلية معقدة بمنهجية مبتكرة. وهذا الإجراء لا يساهم في تحسين جودة الخدمات الصحية فحسب، بل يوفر تجربة زيارة أكثر إمتاعاً للملايين من الزائرين من خلال إيجاد فضاء نظيف وهادئ. وهذا المشروع رمز للالتزام برفاهية الزائرين والتطوير المستمر لمرافق الحرم الشریف.
حماية الماضي بنظرة إلى المستقبل
الوجه الآخر لهذه الهندسة الخفية هو رعاية التراث المعماري للحرم. ولا يعني الترميم في مثل هذه المجموعة، مجرد التجديد أو إخفاء آثار التآكل؛ بل يُعد التعرف على تاريخ البناء ودراسة الطبقات التاريخية واختيار الأسلوب المناسب للحماية جزءاً من عملية العمل أيضاً.
وتُعد دراسة ممر «دار النور» التاريخي في مسجد جوهرشاد نموذجاً لهذا النهج. ويدرس خبراء المنظمة في هذا الإجراء وضع أقسام من هذا الممر والطبقات الموجودة للحصول على مزيد من المعلومات حول خلفيته وخصائصه التاريخية. ويُهيئ إجراء الدراسات التمهيدية والتوثيق أرضية لاتخاذ قرار أكثر دقة بشأن إجراءات الحمایة والترمیم اللاحقة؛ دون إصدار حكم قطعي حول وجود أو ماهية الآثار المحتملة قبل استكمال الدراسات.
وفي هذا الإطار، بدأت عمليات المراقبة ودراسة واجهة مدرسة «ميرزا جعفر» التاريخية في الحرم الشریف بهدف دراسة وضع القرميد والواجهات والعناصر المعمارية الأخرى لهذا البناء التاريخي، بجهود منظمة الإعمار والصيانة في الحرم الشریف. وتُعد هذه الدراسات خطوة للتعرف بدقة أكبر على الوضع الحالي للبناء وتوفير الأرضية لاتخاذ القرار بشأن الإجراءات اللازمة لحمايته وصيانته.
ويُعد ترميم إيوان الساعة في صحن الثورة الإسلامية نموذجاً آخر لهذا السعي المستمر. وقد استُخدمت لوحات قماشية لتغطية السقالات ومعدات الورشة في فترة تنفيذ العمليات للحفاظ على منظر الصحن، ويُظهر هذا الإجراء الاهتمام بمظهر المکان والتجربة البصرية للزائرين إلى جانب ضرورة تنفيذ العمليات التخصصية أيضاً.
وإلى جانب المشاريع الإنشائية وأعمال الترمیم، تؤدي العناية بالعناصر المعمارية والثقافية دوراً في جودة فضاء الزيارة أيضاً. ويُعد نصب الكتيبة الحجرية لمرقد الشيخ الحر العاملي في معتصم الشيخ الحر العاملي، باستخدام الرخام العسلي والاستفادة من فن الخط والحجارة، نموذجاً للربط بين صيانة المکان والتعريف بالشخصيات العلمية والدينية المدفونة في الحرم الرضوي الشریف.
طمأنينة الزائر حصيلة مجموعة من التفاصيل
تُظهر هذه النماذج كلٌّ على حدة جزءاً من صورة أكبر: الحرم الرضوي ليس مجرد مجموعة من المباني التاريخية، بل هو مکان حي یقدم الخدمة، وتعتمد حمايته على الاهتمام المستمر، والمعرفة الفنية، ومهارة الحرفيين، والتخطيط لاحتياجات العصر.
قد لا يلتفت الزائر أثناء الزيارة إلى المسارات المعدّلة، ومعدات السلامة، والدراسات الفنية، أو مراحل الترميم؛ وليس الهدف أيضاً أن تكون كل هذه العمليات في بؤرة تجربته. وتكمن أهمية هذه الإجراءات في أنها تهيئ أرضية لحضور أكثر طمأنينة وأماناً للزائرين.
هندسة الحرم الخفية ليس المقصود بها في النهاية أن تُظهر نفسها؛ بل الهدف أن يتمكن الزائر من الانشغال بما أتى إلى الحرم من أجله بدرجة أكبر من الراحة.