آخر الأخبار
رمز الخبر : ۳۲۷
۰۶:۵۹

۲۰۲۶/۰۴/۲۶
حين تصبح الهندسة عبادة؛ أثر عبقرية الشيخ البهائي في نسيج حرم الإمام الرضا (ع)

معماريّ النور والمرآة؛ الشيخ البهائي وإرث يتنفس في صحون الحرم الرضوي

معماريّ النور والمرآة؛ الشيخ البهائي وإرث يتنفس في صحون الحرم الرضوي
بالتزامن مع يوم تكريم الشيخ البهائي ويوم العمارة الوطني، تجدد الاهتمام بالدور الذي أدّاه هذا العالم الكبير في العمارة الإيرانية‑الإسلامية.

الزائرون الذين يسيرون اليوم في صحون حرم الإمام الرضا (ع) قد لا يدركون أن كثيرا من الجمالیات المعمارية في هذا الصرح المهيب تعود جذورها إلى الأفكار الهندسية والعلمية للشيخ بهاء الدين محمد العاملي؛ الشخصية التي مزجت بين الرياضيات وعلم الفلك والتصوف والعمارة، فخلقت فضاء يتجاوز كونه مبنى دينيا ليمنح الزائرين تجربة روحية عميقة.
في عمارة الحرم الرضوي، تحمل كلُّ قطعة من القاشاني زاوية من النور وکل مساحة داخل الحرم تحمل معنی عمیقا أیضا. ولم تكن نظرة الشيخ البهائي إلى العمارة مجرد تشييد للبناء، بل كان يرى أن البناء ينبغي أن يؤثر في روح الإنسان ويقيم صلةً معنوية بين الأرض والسماء، ولهذا السبب ما تزال آثاره الفكرية والهندسية ماثلة في بعض أجزاء مجموعة الحرم حتى اليوم.
من النجف إلى مشهد رحلة علم سخّر نفسه للخدمة
تعلّق الشيخ البهائي بحرم الإمام الرضا (ع) في العصر الصفوي، وهي فترة كان فيها الحكم يسعى إلى تعزيز الهوية الشيعية وتطوير المراكز الدينية. وكان الشيخ البهائي، الذي يُعَدّ من أعظم علماء العالم الإسلامي قد قدم إلى إيران وهو يحمل معرفة واسعة في علوم مختلفة من علم الفلك والرياضيات إلى الفقه والفلسفة، وإلى جانب نشاطه العلمي أدّى دورا في المشاريع العمرانية والمعمارية أيضا.
إنّ مشارکته في الهیکل العلمي والحكومي في ذلك العصر مهّد لتحوّلات في العمارة الدينية. وكان يعتقد أنّ تشييد الأبنية المقدسة ينبغي أن يعكس النظام والجمال الإلهي. ولذلك عند تصميم المساحات المعماریة، لم يقتصر على الحسابات الهندسية فحسب، بل أولى اهتماما خاصا للتناسق الجمالي، والضوء، والتناسب، والإحساس الروحي للمكان أيضا.
في الحرم الذهبي حين تنشد الرياضيات شعرها
بحسب بعض الوثائق التاريخية والروايات المتداولة كان للشيخ البهائي دور في تطوير وإعادة إعمار أجزاء من الحرم الرضوي الشریف وقد استفاد من معارفه المتقدمة في مجالات مثل علم الاستاتيكا وعلوم الضوء، وتظهر نماذج من هذه الرؤية الهندسية في بنية القباب والمآذن والأروقة.
من أبرز سمات هذه العمارة التوجيه الدقيق للضوء الطبيعي. فقد جرى تصميم النوافذ والقباب والفضاءات الداخلية بطريقة تسمح للضوء بأن يتسلل في ساعات معيّنة من اليوم بشكل لطيف وهادئ داخل المكان. وهذه الإضاءة الطبيعية لا تضفي بعدا جماليا فحسب، بل تسهم أيضا في إيجاد إحساس بالسكينة والتركيز الروحي لدى الزائرين.
وهكذا فإنّ الضوء في عمارة الحرم ليس مجرد عنصر مادي، بل يُعَدّ جزءا من التجربة الروحية للمكان. وفي مثل هذا النهج تتحوّل الرياضيات والهندسة إلى أداة لخلق فضاء معنوي.
ضريح في حضن الإمام؛ رابطة أبدية بين التلميذ وأستاذه
أوصى الشيخ البهائي أن يدفن بجوار حرم الإمام الرضا (ع). واليوم يقع ضريحه في أحد الأروقة القريبة من صحن آزادي، وكثير من الزائرين يزورون قبر هذا العالم بعد زيارتهم للإمام الرضا (ع).
ويُعَدّ هذا الجوار لدى كثيرين رمزا لارتباط العلم بالمعنوية، فالشيخ البهائي لم يساهم في حياته في التطور العلمي والمعماري لهذه المجموعة فحسب، بل إن دفنه في هذا المكان جعل اسمه يرتبط إلى الأبد بالهوية الثقافية والدينية للحرم.
إرث يتجاوز الحجر؛ الشيخ البهائي ونموذج «العمارة صانعة الإنسان»
من أهمّ سمات العمارة المنسوبة إلى الشيخ البهائي الاهتمام بالإنسان وتجربته داخل المساحات المعماریة. فقد صُمِّمت هذه الفضاءات بطريقة تجعل حركة الزائرين في الساحات والأروقة سلسة مع الحفاظ على الرؤية البصرية نحو القبة والعناصر الرئيسة للحرم.
تُظهر البحوث التي أُجريت في مركز الدراسات الإسلامية التابع للعتبة الرضویة المقدسة أنّ كثيرا من المبادئ المعمارية المستخدمة في هذه المجموعة قد تشكّلت على أساس تناسبات هندسية دقيقة وتوافق مع مناخ المنطقة، ويُعدّ استخدام التهوية الطبيعية والمواد المحلية والأساليب الذكية في البناء من أبرز نماذج هذا التوجّه.
تُظهر هذه الخصائص أنّ مفاهيم مثل العمارة المستدامة والمتناغمة مع البيئة كانت موضع اهتمام منذ قرون في أعمال كبار المعماريين الإيرانيين، ومن بينهم الشيخ البهائي.
ربيع العمارة؛ حين يصنع الماضي المستقبل
الحرم الرضويّ الشریف اليوم ليس مجرّد مكان للزيارة فحسب، بل نموذجا قيّما يجسّد تلاقي الفنّ والعلم والروحانية في العمارة الإسلامية، ولا تزال آثار الشيخ البهائي وأفكاره تلهم المعماريين والباحثين وتذكّر بهذه الحقيقة أنّ العمارة يمكن أن تتجاوز مجرّد تشييد المباني لتكون في خدمة الثقافة وحياة الناس.

يُظهر إرث هذا العالم الكبير أنّ العلم والفنَّ حين يقترنان بالروحانية يمكنهما أن يخلقا آثارا خالدة؛ آثارا تبقى حيّة ومؤثّرة حتى بعد مرور قرون.


تقرير الخطأ

نشر التعليقات
captcha
  • اختيارات المحرر
  • آخر الأخبار
الإمام الرضا (عليه السلام) لا يزال محوراً لتقارب الشعوب والأديان مؤتمر الإمام الرضا (عليه السلام) يمهد لتعزيز وحدة الأمة الإسلامية نظرة أهل البيت (ع) المختلفة إلى العدالة النضال ضد السلطة حق للمطالبين بالحرية في العالم عبور رسالة الثورة الإسلامية الحدود الوطنية بالاعتماد على النموذج الرضوي الارتباط الوثيق بين السيرة الرضوية ونموذج حكم القائد الشهيد الأبعاد العابرة للمذاهب لاستشهاد القائد الشهيد في أمريكا اللاتينية من إعادة تعريف القوة في النظام العالمي إلى امتداد السيرة الرضوية في نموذج القيادة  مفكرون دوليون يبحثون «الكرامة وحقوق الإنسان» في ضوء التعاليم الرضوية الجهاد الدفاعي في المنطق الإسلامي يتبع إطاراً قرآنياً وأخلاقياً انطلاق الاجتماع التخصصي الدولي لمؤتمر الإمام الرضا (ع)العالمي السادس  مكتبة الحرم الرضوي؛ وريثة آثار الشعراء الفرس عبد العظيم الحسني (ع)؛ من المعرفة الدينية إلى الانسجام الاجتماعي جامعة الإمام الرضا (ع) ووزارة الخارجية مهدتا طريق التعاون العلمي تشرُّف طلاب كلية العلاقات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الايرانية بزيارة الحرم الرضوي الشريف تشرف الطلاب العراقيون بزيارة الحرم الرضوي الشريف بدأ مركز التعاون المشترك بين الجامعة الرضوية وجامعة المصطفى العالمية في مشهد أعماله افتتاح معرض «العالم ستارة أكثر إشراقا» في مكتبة ومتحف ملك الوطني تکامل جهود المعاونیات البحثية في العتبة الرضوية في المجال الدولي  نوافذ الحرم الرضوي، من عنصر معماري إلى جزء من تجربة الزيارة في سبیل تحقيق تطلعات متولي العتبة الرضوية المقدسة