وبهذه المناسبة توجّهنا إلى حجة الإسلام الدكتور محمد عربشاهي، عضو الهيئة العلمية في مجمع البحوث الإسلامية التابع للعتبة الرضوية المقدسة، لنتحدث معه بشأن المكانة العلمية لكتاب «الغدير»، وخصائص المنهج البحثي للعلامة الأميني وتأثير هذا الأثر على الدراسات الإسلامية والحوار العلمي بين المذاهب. تقرؤون تفاصيل هذا الحوار في ما يلي:
إذا أردنا الإشارة إلى أهم أعمال العلامة الأميني، فإن «الغدير» یتصدر بلا ريب الصدارة. فما هي المكانة التي يحظى بها هذا الكتاب بين الأعمال البحثية في العالم الإسلامي؟
يُعدّ كتاب «الغدير في الكتاب والسنة والأدب» من أبرز الأعمال البحثية المعاصرة في مجال الدراسات الإسلامية وتاريخ صدر الإسلام وفكر الإمامة، فهذا الأثر ليس مجرد كتاب في الدفاع عن معتقد مذهبيّ فحسب، بل هو بحثٌ جامع وموثّق ومنهجيّ يقوم بإعادة قراءة واقعة الغدير وتحليلها استنادا إلى المصادر الإسلامية الأصيلة.
ما هي السمة التي ميّزت «الغدير» عن العديد من الأعمال السابقة؟
إنّ أهم ميزة لهذا الأثر هي المنهج البحثي للعلامة الأميني، فقد قام من خلال الرجوع المباشر إلى المكتبات الكبرى في العالم الإسلامي ودراسة آلاف المصادر الخطية والمطبوعة بجمع وتحليل مجموعة لا نظير لها من الوثائق والأدلة المتعلقة بحديث الغدير، وهذا المنهج بحد ذاته هو ما منح هذا الأثر مصداقية علمية خاصة.
بناء على ذلك فإن «الغدير» ليس مجرد رواية تاريخية لواقعة الغدير، أليس كذلك؟
هذا صحيح تماما. يُبيّن العلامة الأميني أن الغدير ليس مجرد تقرير تاريخي، بل كان له حضور مستمر في آثار المحدثين والمفسرين والمؤرخين وعلماء الرجال والأدباء والشعراء المسلمين عبر القرون المختلفة، وقد أصبح جزءا من الذاكرة التاريخية والثقافية للحضارة الإسلامية.
من الناحية المنهجية، ما هي مكانة هذا الكتاب في الدراسات الإسلامية؟
يُعدّ «الغدير» نموذجا متميزا في الدراسات الإسلامية؛ لأن النقل الموثق والإحالات الدقيقة ونقد الأسانيد ودراسة الآراء المختلفة ومراعاة الترتيب التاريخي للمصادر، تعدّ من أبرز خصائصه. ولذلك يرى كثير من الباحثين أن هذا الأثر يتجاوز كونه كتابا كلاميا ويعدّ بمثابة موسوعة موثقة عن حديث الغدير وتاريخ فكر الإمامة.
تعدّ المراجعة الواسعة لمصادر أهل السنة إلى جانب المصادر الشيعية إحدى ميزات كتاب «الغدير» فما هي أهمية هذا النهج؟
يُعدّ هذا الأمر من أهم الميزات العلمية للعلامة الأميني؛ إذ استند جزء كبير من استدلالات كتاب «الغدير» إلى مصادر أهل السنة المعتبرة، إلى جانب استخدام المصادر الشيعية أيضا، وهذا الأسلوب يُظهر أن الهدف الرئيسي كان تقديم استدلال مبنيٍ على مصادر مشتركة وقابلة للتقييم من قِبل جميع الباحثين.
ما تأثير هذه الطريقة في الحوار العلمي بين المذاهب الإسلامية؟
إنّ الاستناد إلى المصادر المقبولة لدى الطرف الآخر يزيد من المصداقية العلمية للاستدلال، ويُهيّئ الأرضية للنقد والمراجعة المنصفة. هذا المنهج يُخرج الحوار من مناخ السجالات المذهبية وينقله إلى ساحة البحث الموثق القابل للتحكيم. كما أنّه يوسّع من طاقة الدراسات المقارنة، ويسهم في الفهم الدقيق لنقاط الاشتراك والاختلاف.
يُنظر إلى «الغدير» من قبل البعض على أنّه يتجاوز كونه أثرا تاريخيا، بل يُمثّل مشروعا فكريا للدفاع الموثق عن مكانة أمير المؤمنين (ع). فما هو الأثر الذي تركه هذا المصنَّف على الدراسات الشيعية المعاصرة؟
أعتقد أنّ «الغدير» يمثّل نقطة تحوّل في مسار الدراسات الشيعية المعاصرة. فقبل صدور هذا الأثر كان كثير من البحوث المتعلقة بالإمامة يغلب عليها الطابع الكلامي أو الحديثي، غير أنّ العلامة الأميني قدّم، نموذجا جديدا في البحث منسجما مع معايير البحث الأكاديمي من خلال الجمع بين التأريخ والببليوغرافيا وعلم الرجال والحديث والأدب.
ما الذي حقّقه هذا التحوّل عمليّا للبحوث اللاحقة؟
لقد نقل كتاب «الغدير» البحث في مسألة الإمامة من مجرد النقل الصرف للروايات ليدخل بها إلى مجال تحليل الأسانيد والنقد التاريخي والدراسة المقارنة للمصادر، كما أنّ التعريف بمئات الكتب والشخصيات العلمية والمصادر الأقل شهرة، قد فتح آفاقا جديدة في دراسات الببليوغرافيا وفهرسة المخطوطات وتاريخ الفكر الإسلامي واستلهم العديد من البحوث المعاصرة بشكل مباشر أو غير مباشر منهج التحقيق من هذا الأثر.
إذا أردنا أن نتحدث عن التراث العلمي للعلامة الأميني بالنسبة إلى الباحثين اليوم، فما هو أهمّ درس يقدّمه هذا التراث؟
أوّل درس هو الرجوع المباشر إلى المصادر الأصيلة وتجنّب النقولات الوسيطة وغير الموثقة، فقد صرف العلامة الأميني قسما كبيرا من عمره العلمي في راسة النسخ والمكتبات والمصادر الأولية وهذا ما ضمن المتانة العلمية لكتاب «الغدير».
إلى جانب الدقة في التعامل مع المصادر، ما السمة الأخرى الجديرة بالملاحظة في منهجه البحثي؟
الأمانة العلمية والإنصاف في عرض الآراء المختلفة هما من أهمّ سمات منهج العلامة الأميني. ففي «الغدير» تُنقَل الآراء المؤيّدة والمخالِفة مع توثيق دقيق، ثم تعرض للتحليل. هذا الأسلوب يهيّئ أرضية النقد العلمي ويمنع تحوّل الخلافات المعرفية إلى منازعات انفعالية.
وفي الختام، ما الرسالة التي يحملها اليوم منهج العلامة الأميني البحثي إلى العالم الإسلامي؟
يظهر التراث العلمي للعلامة الأميني أنّ التقريب والحوار العلمي لا يعنيان تجاهل الخلافات الاعتقادیة، بل يعنيان دراسة هذه الخلافات في فضاء یقوم على الاحترام المتبادل والاستدلال والتوثيق وأخلاقيات البحث. ومثل هذا النهج مع حفاظه على الهويات المذهبية يمكن أن يُسهم في الارتقاء بالفهم المشترك للتراث الإسلامي وتعزيز التفاعل العلمي بين علماء المذاهب المختلفة؛ وهي ضرورة يحتاج إليها العالم الإسلامي اليوم أكثر من أيّ وقت مضى.