في هذه الأيام یفتح الحرم الرضوي الشریف أبوابه علی غیر العادة لیحتضن أمانة کبیرة، لیحتضن جسد قائد الثورة الإسلامیة الشهید، جسد حامل الرایة الذي وقف لسنوات في قلب ساحة القوة والشجاعة، والآن سیتخذ من حرم سلطان خراسان مرقدا أبدیا له. هو الذي كان خلال هذه السنوات عاشقا ومُتَيَّما بمعين الضعفاء، والآن سيرقد إلى الأبد بجوار الإمام الرضا (ع)، لیكون طوافه الأخير بدايةً لجواره الأبدي مع الإمام الرؤوف.
في هذه الأيام وعلى أعتاب هذا الارتباط المقدس، قام حجة الإسلام السيد محمد حسين راجي بتحليل السيرة السلوكية والأبعاد اللافتة من حياة هذا القائد الراحل؛ وهو نص مليء بما لم يُرو بعد، ندعوكم لقراءة هذه الرواية المفعمة بالمودة والبصيرة.
حسرة توديع تلک الشمس الفريدة في الشجاعة
تعيش إيران الإسلامية في هذه الأيام مرارة الانتظار الأصعب؛ أيام تفصل بين فاجعة فقد مؤلمة، والاستعداد لتوديعٍ حامل الرایة الذي وقف في قلب الميدان طوال حياته. رجل بصلابة الشمس، أضاء الطريق في ليالي الفتنة وبقيت ملحمته الحاضرة تجري في عروق التاريخ. بعد أيام قليلة ستشيع أيادي الأمة المكلومة جثمان من أوصل أمته إلى ذروة العزة وسیظل اسمه یرعب الأعداء إلی الأبد.
لقد كان قمة الشجاعة في خضمّ حکومة بهلوي العسکریة، وکان يتحدث ضد النظام الظالم بين الدبابات والغازات المسيلة للدموع. بطمأنینة کان یزیل الخوف من قلوب الآلاف ويكسر جدار الخنق. وببندقية حسن آباد على كتفه، كانت خطب صلاة الجمعة في مصلى طهران ملجأً للقلوب المرتعشة في أيام القصف الصاروخي؛ تلك الشجاعة التي أبقت شبح الحرب بعيدا عن هذا البلد حتى آخر أيام حياته.
مرساة الوطن الآمنة في عاصفة الفتن
كان صخرة لا تتزعزع في إدارة الأزمات، فلم يتراجع قيد أنملة في فتن الشوارع المعقدة ولم يظهر أدنى شك أمام تهديدات المدمرات الأمريكية. هو الذي أمر بحزم بألا يسقط شبر واحد من تراب الوطن في يد العدو، وقف لتظلّ أم الوطن مرفوعة الرأس إلى الأبد، والآن البلاد في حداد على مثل هذه المرساة الآمنة.
كان جبل توكّل في ذروة استعراض القوة من قبل الاستكبار في المنطقة واضطراب أمواج الحصار والتهديدات الهادرة. كان يصف العدو بالحقير والآفل بهدوء نابعٍ من تعلقه بالله، ويبثّ الطمأنينة بالنصر في قلوب المظلومين في العالم، من اليمن إلى فلسطين. لقد رحل لكنه ترك إيمانه وتوكّله كوديعة في نفوس هذا الشعب.
كان مظهر العزة أمام الأجانب؛ هو الذي ضحك على التعذيب في زنازين السجن الانفرادي المظلمة في عهد الشاه ولم يخنع أمام أي دكتاتور. وبصلابة علوية، أجبر السفراء الأوروبيين المتسولين والمتغطرسين على الركوع في قضية محاكمة ميكونوس واستدعائهم.
حزن حاكمٍ مُنزّهٍ عن غبار الدنيا
كانت روح القناعة تسري في روحه؛ فقد أدار حياته الشخصية طوال سنوات قيادته للعالم الشيعي دون أن تتلوث يده بريال واحد من المال العام أو الوجوهات الشرعية بأقلّ الموارد المتاحة ليبقي على مستوى واحد مع المستضعفين في المجتمع. إيران تستعد هذه الأيام لتشييع حاكم كان رمزا للزهد الممزوج بالقوة.
لقد كان زاهدا بسيط العيش يعيش على السجادة؛ فكان يبيع عباءاته الثمينة التي أهداها له رؤساء الدول مرارا وتكرارا ليشتري بثمنها الملابس والمؤن للمحتاجين ويكتفي هو بأبسط وأقلّ الأشياء. والآن يودّع العالم قائدا لم يأخذ معه من ثروات الدنيا شيئا وسيكون نصيبه من الأرض مجرد بضعة أمتار من قبر بسيط.
كان قاطعا ولا يعرف المجاملة في مكافحة الفساد، حتى أشد معارضيه اعترفوا بنزاهته المطلقة هو وأقرباؤه. فهو الذي كان يدعو المسؤولين إلى اتخاذ إجراءات عملية وملموسة وقاسية ضد الفاسدين برسائل حادة وصريحة بدلا من عقد ندوات عقيمة.
خسارة الأب الذي بقي في القلوب
كان حريصا جدا على لقمة العيش الحلال حتى أنه كان يدفع التكلفة الإضافية لضيافة السفر بالطائرة من ماله الخاص ولم يسمح لأبنائه بالاستفادة ولو بشيء يسير من الموارد الحكومية. لقد رسم بخط من الدم الفاصل بين الأموال العامة والشخصية.
كان أبا صارما في الحفاظ على المال العام، كان يمنع ابنه من مائدة بيت المال ليعلمه هو وجميع المدراء عبر التاريخ أنه لا ينبغي للمرء أن يأخذ حتى ولو بقدر لقمة من مائدة الشعب لمصلحته الشخصية. لم يسمح لأبنائه بدخول عالم الاقتصاد، حذرهم من أي نشاط مالي وتجاري حتى لا يرتبط اسمهم بأي فساد اقتصادي، وهو مبدأ يشبه الخرافة بين حكام اليوم في العالم.
كان وفيا للأسرة، لقد احتفظ بخاتم زواجه البسيط الذي يعود لعام 1343 (شمسي) كتذكار حتى اللحظة الأخيرة، وكان يعتبر الالتزام بالأسرة والاحترام العميق للزوجة مثالا بارزا للإيمان والأخلاق الإسلامية. كان بحرا في سعة الصدر ومروجً للفكر الحر؛ كان مرارا يطلب من رفاقه وطلابه، أن ينقدوه ويناقشوه بدلا من التصديق والمديح حتى یتحقق الكمال العلمي من خلال تضارب الآراء وتترسخ كراسي الفكر الحر في الحوزات العلمية والجامعات.
البكاء على تواضع تلک المرآة
كان مرآة لقبول النقد. واعتذر ردا على رسالة نقدية من فتاة صغيرة عن شدة لهجته المحتملة في خطاباته، وشكرها بكل تواضع على التذكير الذي قدمته. في أي مكان في العالم تجدون حاكما بهذا الخضوع أمام نقد مواطن عادي؟ كان تجسيدا للتواضع والفرار من السلطة؛ فقبل تحمله العبء الثقيل للقيادة عام 1368(شمسي)، كان يتضرع إلى الله ويبكي ليجنب دينه الضرر؛ كان يقول إنه مستعد لأن يكون جنديا ثقافيا بسيطا على أبعد الحدود ولا یتقدم علی الآخرین.
كان قدوة لا مثيل لها في الأدب، حتى في الملاحظات الداخلية والسرية لمكتبه، كان يؤكد على مراعاة الاحترام وذكر ألقاب الشخصیات المعروفة وحتى المعارضين، حتى لا تنتهک كرامتهم الإنسانية في غيابهم. كان رمزا للعفو والصفح والرحمة الإسلامية؛ حتى أنه لم يحمل ضغينة تجاه أشد معذبيه في سجن السافاك، وبعد الثورة كان يوصي المقربين إليه بالاستفسار عن أحوالهم ومساعدتهم في مصاعب الحياة.
كان المصداق الحقيقي لآیة أَشِدّاءُ عَلَى الكُفّارِ رُحَماءُ بَينَهُم”. كان رجلا متبحرا في الفكر والفن؛ فبمكتبته الضخمة التي تضم أكثر من ثلاثين ألف مجلد، كان متمكنًا في علم المكتبات والرواية والشعر والتاريخ لدرجة أنه كان يبهر حتى الناشرين والكتاب والشعراء المحترفين بمعرفته الدقيقة ونقده المتخصص في مجال الفن والأدب. ستبقى ذكرى أمسيات الشعر الأبوية التي كان يقيمها حية إلى الأبد في قلوب أهل الثقافة.
كان عبدا مخلصا ومجهولا، لطالما اشتكى من الظهور المفرط لصوره في وسائل الإعلام ولم يكن مستعدا لتخصيص منبر إذاعي عام لدرسه الخارج في الفقه، إلا إذا تم أداء حق جميع أساتذة الحوزة العلمية بالتساوي. كان يفر من الشهرة والله جعله محبوبا في عيون العالم.
وداع الأمة المر مع حامل الرایة المقتدر
كان سدا منيعا في وجه الهجمات الثقافية والانحرافات، كان يرى الجهاد في التنوير وجهاد التبيين. لقد تمكن بتوجيهه الأبوي وتضرعاته في منتصف الليل من العبور بجيل الشباب من مستنقعات الفضاء الافتراضي والحرب الهجينة إلى محيط الاعتكاف النقي والمعسكرات الجهادية ومسيرة الأربعين؛ شباب سيشكلون بعد أيام قليلة الجنازة الأكثر عددا في التاريخ لوالدهم بتوديع مشوب بالدموع.
كان الأمين لحق الشعب في أصعب الفتن السياسية وأشدها، وقف صلبا وثابتا في وجه الادعاءات الكاذبة وانتهاكات القانون حتى أنه لم يوافق على تغيير نسبة المشاركة أو نتيجة التصويت ولو بنسبة واحد بالمائة لإرضاء وسائل الإعلام المحلية والأجنبية وحافظ على حقوق الناس.
وفي النهاية كان صاحب غيرة علوية في الدفاع عن الشرف؛ فهو الذي صنع بيديه المجروحتين والمصابتین حاجزا للحفاظ على كرامة حجاب ووقار سيدة إيرانية وسط ازدحام شديد للجمهور ولم يسمح بحدوث أي إساءة مهما كانت بسيطة في الجهاز الذي كان تحت إمرته لنوامیس هذا الوطن. إن الشعب الإيراني في هذه الأيام مضطرب بانتظار يوم الوداع.
بعد أيام قليلة سَيُحمل جثمان ذلك الرجل العظيم، أنيس ليالي شوق الجرحى ووالد شهداء ذريتهم على أكتاف هذه الأمة المفجوعة إلى مثواه الأبدي. سترافقه عباءة صلاة لیله وتربة صلاته الکربلائیة ويده المصابة التي كانت علامة وفائه لهذا العهد. حتى يوم التشييع سنبقى نحن وهذا الحزن العالق في حلوقنا… وداعا يا سيدنا… عيون هذه الأمة الغارقة بالدم لن تنسى جلال نظرتك الأبوية وصلابة خطواتك أبدا.
رحمک الله، فقد عشت عزیزا وقدت شعبك ببسالة نحو آفاق مشرقة. والآن مشهد الرضا(ع)غارقة في الحزن، فاتحت ذراعيها لتحتضن خادمها الذي لا يكل ولا یتعب. هو الذي کان یزور هذا الحرم بقلب مکسور لسنوات، لکنه سيصبح الآن جارا للإمام إلى الأبد. أیها الإمام الرؤوف، سیصل حامل الرایة المتعب؛ استقبله في كنف ظلك الرؤوف، فقد جاهد لعمر لرفع راية هذا الحرم، وهو الآن عائد إلى بيته الأبدي بجوارك.