يقدم الدكتور إبراهيم دانشي فر رئيس جامعة الإمام الرضا (ع) الدولية، في مقال تحليلي رؤية متعمقة لإنجازين مهمين ومغيبين لهذه المواجهة.
وجاء في نص المقال:
في الحروب الكبرى، قد لا يكون ما يحدث في ساحة المعركة سوى جزء صغير من النصر. فحقيقة النزال لا تكمن فيما تظهره الأخبار السطحية، بل في ما يجري في أعماق السياسة ووجدان العالم اليقظ. واليوم، في المواجهة بين إيران وجبهة الاستكبار (أميركا وإسرائيل)، نحن أمام معركة تتجاوز الحسابات العسكرية البحتة؛ معركة يسقط فيها الباطل بكل أدواته وضجيجه، ويشهد انهياراً في بنيانه الأخلاقي والسياسي.
وتحمل هذه المعركة إنجازين كبيرين ومصيريين، يستدعي التأمل فيهما إعادة قراءة مفهوم النصر.
الإنجاز الأول: تشتت جبهة المدّعين
يتمثل الإنجاز الأول في انكشاف ذلك التزوير الكبير الذي ظل لسنوات يرسم للعالم صورة تحالف أبدي ومتماسك بين أميركا وإسرائيل وأوروبا. لكننا اليوم نشهد شرخاً استراتيجياً عميقاً في هذه الجبهة. وهذا الشرخ ليس مصادفة، بل هو نتيجة مباشرة للجرائم المكشوفة والفضيحة التي ارتُكبت في هذه المعركة. فعندما تراق دماء الأبرياء، وتُذرف دموع الأطفال، وتُدمر المدارس والجامعات والمستشفيات أمام مرأى العالم، يصبح من المستحيل إخفاء الحقيقة بالخطابات السياسية.
سياسيو أوروبا وأميركا، الذين كانوا يوماً ما يميزون أنفسهم بادعاء القيم الإنسانية والقانون الدولي، يواجهون اليوم أزمة هوية وشرعية أمام صمتهم المخزي ودعمهم غير المشروط لجرائم إسرائيل. وهذا الشرخ نتاج تعارض عميق بين ادعاء الأخلاق وحقيقة الإجرام. حين تُستهدف بنى الحياة المدنية، ينهار ذلك التحالف الظاهري كبيت بني على رمال، أمام إعصار الحقيقة. ويرى العالم اليوم بوضوح أن جبهة إسرائيل وحلفاءها ليست قائمة على مبادئ، بل على الأنانية والجريمة والعدوان، وهذه بداية نهاية تحالف يدعي النظام والعدالة. كما أن مرارة هذه الحقيقة وقرب مواعيد الانتخابات في الدول المدعية يدفعان رؤساء الحكومات الأوروبية والأحزاب الأميركية للابتعاد يوماً بعد يوم عن هذا التحالف غير المقدس.
الإنجاز الثاني: فتح القلوب
أما الإنجاز الثاني، فهو أعمق وأدق وأكثر مصيرية، ويتجلى في قلوب ملايين البشر في أنحاء العالم الإسلامي، وفي قلب الشعب الإيراني.
قبل هذه المعركة، كانت حملات إعلامية ودعائية مكثفة ومستمرة تسعى لتقديم صورة مشوهة ومغرضة عن إيران ودورها في العالم. وكانت تهدف إلى خلق قطيعة بين عموم الشعوب المسلمة وإيران، وإخراجها من دائرة التضامن الإسلامي، أو عزلتها بتهم كدعم الإرهاب الرسمي أو الخروج عن الدين أو الرفض.
لكن اليوم انقلبت الأمور بشكل مذهل. فأرض المعركة أصبحت هي المبلغ الأكبر للحقيقة. فصمود إيران الحاز والشجاع، وأحياناً اللامحدود في وجه العدو المجرم قد اخترق وعي الباحثين عن الحق في العالم الإسلامي، مما جعل كل تلك الدعايات الإعلامية تتلاشى كغبار أمام نور الشمس.
والآن بالنسبة لكثير من المسلمين الذين كانوا ينظرون سابقاً إلى إيران بتردد، لم يعد المشهد مشهد سياسة أو حدود مذهبية؛ بل أصبح مشهد مواجهة صريحة بين الحق والباطل.
واليوم وبصمود إيران في تأمين الاستقرار للشعبين المظلومين في لبنان وفلسطين والدفاع عنهما، باتت إيران في نظر التيارات المتطرفة، بل وفي نظر قطاعات واسعة من المسلمين ليست مجرد قوة إقليمية، بل هي الريادة الأخلاقية في مواجهة الوحش الإسرائيلي الأميركي.
وهذا التحول في النظرة هو أعظم انتصار ناعم لهذه المعركة؛ انتصار هدم الجدران الذهنية التي بناها إعلام سنوات وربط إرادات المسلمين حول محور مقاومة إيران. إنه رابط تحول من دائرة الدعاية إلى ميدان الفعل والإيمان.
وفي الوقت نفسه عززت هذه المعركة روح الثقة بالنفس والتضامن الوطني داخل البلاد. فالشعب الإيراني إذ رأى كيف يقف في وجه القوى العظمى أيقن أن قوته لا تكمن في العتاد، بل في أصالة الموقف والوحدة الوطنية. وهذه الثقة هي الصاروخ الذي ينطلق من قلب التضامن الشعبي ليغرق حاملات الغطرسة في أعماق التاريخ.
في النهاية يجب أن ندرك أن النصر في هذه المعركة لا يتحقق باحتلال الأرض أو التدمير المادي للعدو، بل بإعادة رسم الخريطة الذهنية للعالم. والنصر هنا يعني إحداث شرخ في قلب تحالف الظالمين وربط قلوب الباحثين عن الحق في جميع أنحاء العالم حول محور المقاومة.
نحن نقف في خضم تحول تاريخي؛ حيث يسقط الباطل بكل قوته في فضيحة أخلاقية وعزلة ويستعيد الحق بكل صموده وجدان العالم. وكما صنعت شهادة الإمام في كربلاء نصراً خالداً، فإن الدماء الطاهرة للشهداء وقائدنا الشهيد وصمود شعب إيران المبعوث يصنعون اليوم نصراً سيبقى خالداً في التاريخ الإنساني متجاوزاً الزمان والحدود.