شهد التاريخ حكم آلاف الأشخاص، ولكن من النادر أن يُشار إلى فترة من تلك الفترات كعصرخاص. يمكن تسمية ستة وثلاثين عاماً من حكم قائد الثورة الشهید بعصر الخامنئي بكل جرأة؛ العصر الذي بلغت فيه إيران مكانة مميزة على مستوى القوى العالمية بالاعتماد على خطاب إسلامي مستقل تماماً. على الرغم من أن الإمام الخمیني(ره) وضع أسس هذا الخطاب إلا أن هذه الفترة شهدت تثبيت وتعميق مكانته في المجتمع وتاريخ إيران.
تولى القائد الشهيد مسؤولية القيادة في ظروف كانت البلاد قد تجاوزت فيها منعطفاً تاريخياً (الحرب المفروضة) ورحيل مُفَجر الثورة. كانت البلاد تعاني من أزمات عميقة ناتجة عن الحرب والحصار وكان الاعتماد على التقنيات الخارجية الذي كان مصحوباً دائماً بحضور المستشارين الغربيين يهدد استقلال إيران. كذلك لم تكن الهياكل البحثية والتحقيقية اللازمة للاستقلال قد ترسخت بعد. كانت هذه المسؤولية الصعبة تتطلب سمتين أساسيتين: الشجاعة والكفاءة؛ سمتان كان القائد الشهید يتمتع بهما بفضل سنوات من التربية في مدرسة أهل البيت (ع) والحضور في مختلف الساحات والجبهات.
لقد نقلت مجموعة الإنجازات في هذه المرحلة إيران من فضاء التبعية إلى مشارف الاقتدار الذاتي وتم وضع الأسس اللازمة لمستقبل مشرق لحضارة إيران. أهم هذه الإنجازات التي أدت إلى تشكيل عصر الخامنئي هي:
۱. بقاء واستدامة مبادئ الثورة الإسلامية:
كان الحفاظ على مبادئ الثورة الإسلامية الأساسیة بما في ذلك الاستقلال والحرية والجمهورية الإسلامية، سمة بارزة لفترة قیادة الإمام الشهید. لم يتراجع الإمام الخامنئي قط عن هذه المبادئ حتى في الظروف الصعبة وبناءً على طلب بعض السياسيين لتجاهل مبدأ الجمهورية بحجة الحفاظ على النظام، وفي نهاية المطاف استشهد دفاعاً عن هذه المبادئ ذاتها.
۲. تعزيز ودعم عملي لشعار «نحن نستطيع»:
دفع الإمام بقوة بشعار«نحن نستطيع» في مواجهة الفكر الذي کان سائدا في حقبة بهلوي الذي كان ينكر قدرات الإيرانيين، إن الدعم الحاسم للمساعي مثل إصلاح وبناء طائرات الفانتوم خلال فترة رئاسته، واستمرار هذا الدعم بعد فترة تصدیه منصب القیادة في المجالات الاستراتيجية مثل الخلايا الجذعية وتكنولوجيا النانو والقدرة الصاروخية والطاقة النووية، هو دليل على هذا النهج.
۳. تعزيز الثقافة الذاتية الأصيلة:
قام آية الله الخامنئي (رحمه الله) بصفته فقيهاً جامع الشرائط بدور استراتيجي في تعزيز الثقافة الدينية؛ ويُعد الاهتمام الخاص بنهج البلاغة وتفسير القرآن من أبرز مصاديق ذلك. إلى جانب ذلك فإن اهتمامه الذي لا نظير له باللغة والأدب الفارسي والمفاخر العلمية والأدبية الإيرانية ودعمه للفن والفنانين (السينما، والرواد) كان دليلاً على إعطائه أهمية للجوانب الحضارية والثقافية لإيران وكان يحرص دائماً على مراعاة جميع الجوانب عند تقديم التوصيات.
في نهایة المطاف قادت هذه المجموعة من الإنجازات إيران إلى شواطئ الأمان في الاكتفاء الذاتي. إن الفهم الكامل لعصر الخامنئي وعظمة هذه الفترة يتطلب مرور الوقت وازدهار الثمار الكاملة للإنجازات العلمية والتقنية والثقافية التي وُضعت أسسها خلال هذه الـ 36 عاماً.