ذكرت وكالة انباء آستان نيوز أن مشهد الرضا (ع) هذه الأيام ليست مجرد مدينة، بل هي مأمن مقدس لمريدي قائد الثورة الشهيد ليأتوا ويودعوه للمرة الأخيرة ويلتمسوا العزاء من محضر الإمام الرضا (ع).
أوصل الناس المفجوعون أنفسهم إلى مشهد من أقصى نقاط البلاد في كل زاوية من المدينة ليشاركوا في التشييع الأخير للقائد الشهيد.
وفي هذا السياق بينت مؤسسة قدس الثقافية أنها تستضيف عشاقًا جاؤوا إلى مشهد من جميع أنحاء العالم للحضور في هذا التشييع المهيب.
دخل هذا الوفد نحو ظهر الأربعاء إلى مؤسسة قدس الثقافية باستقبال حار وصميمي وكان الحاضرون فيه من جنسيات مختلفة من أفريقيا وأوغندا ونيجيريا والهند وباكستان وأفغانستان.
إيران هي الوطن الأول لأحرار العالم
تحدث رنجبر مسؤول هذا الوفد الدولي الذي كان يرافقهم أيضاً في تشييعي طهران وقم في بيان دافع حضور هذا الوفد في التشييع الأخير لقائد الثورة الشهيد: شارك هؤلاء الأعزاء في تشييع طهران وقم وأصروا على أن يشاركوا أيضا في التشييع الأخير والوداع في مشهد وألا يفوتوا هذه اللحظات التاريخية. ويرى هؤلاء أن إيران وطناً لهم ولكن ليس وطناً ثانيا بل إن إيران هي وطنهم الأول ومثالهم المنشود. وينظرون إلى قائد الثورة الشهيد أبعد من أرض إيران بوصفه قائد أحرار العالم ولا يضعون له حتى حداً اعتقادياً لأن هذا الوفد يضم أيضا أفراداً من أديان مختلفة. لقد كان له رأي عابر للحدود وعابر للجغرافيا وعابر للاعتقاد وعابر للمذهب تجاه سماحته.
آية الله السيد علي الخامنئي قائد أنصار الإنسانية
نعم كل أحرار العالم معزون هذه الأيام. وفي هذا الشأن صرّح محمد صغير تكور من نيجيريا: لقد رأيت القائد الشهيد أربع مرات. كنت أتمنى أن أراه عن قرب وبأم عيني منذ ذلك الوقت الذي كنت فيه في بلدي. كان اللقاء المباشر معه تجربة عميقة جدا ومؤثرة. كان آية الله الخامنئي قائداً معطاء ومقتدراً ولا يكل. أظهر حقاً كيف يجب هداية مجتمع والعناية بالناس وكيف يجب إرشاد الجميع نحو طريق الحق ليحققوا سعادة الدنيا والآخرة. حافظ آية الله الخامنئي على ذكرى وإرث الإمام الخميني (ره). كان الإمام الخميني (ره) قائداً لا نظير له وبعد رحيله تحمل آية الله الخامنئي هذه المسؤولية بنفس ذلك الالتزام والتضحية. هو قائد الناس؛ ناس يعشقونه بعمق ويثقون به لأنه لا يمارس أي تمييز.
يوحد الأمة الإسلامية ككل واحد وتركيزه على مساعدة المجتمع وإظهار طريق الله. حتى غير المسلمين يرونه أيضاً قائداً عادلاً ومنصفاً بسبب بعده عن التمييز.
يتابع طالب إدارة الأعمال هذا: نحن لا نعشق آية الله السيد علي الخامنئي كقائد شيعي فقط بل نراه قائداً لكل المسلمين وداعما للإنسانية. وقف حياته لحماية شعبه. لهذا السبب نكن له هذا الاحترام العميق ونحافظ على ذكراه وإرثه وننظر إليه كقائدنا. وببركة التضحيات التي قدمها هذا الشعب سيواصل هذا المجتمع إن شاء الله تقدمه وسيكون أقوى من أي وقت مضى. الإسلام سينتصر.
نموذج خالد لكل الأديان والمعتقدات
دانيال كوتوسي مسيحي جاء من أوغندا كي لا يفوت الوداع الأخير لقائد الثورة الشهيد. حيث قال: أحزننا جداً استشهاد قائد الثورة آية الله السيد علي الخامنئي لأن فقدان شخصية بارزة كهذه كان قائداً كبيراً يعتبر ضربة ثقيلة لجبهتنا. كان له بعدان رغم كونه سياسياً فقد كان قائداً دينياً وفي الوقت ذاته رجلاً كبيراً في السياسة. كان فقدان شخصية بهذا الموقع والاعتبار وذلك على يد القوى الخارجية مؤلماً للغاية للأمة الإسلامية وللعالم بأسره.
وبما أن إيران هي الآن بالنسبة لي مثل بلدي عليّ اتّباع المسار نفسه الذي تتخذه إيران وشعبها. هذا بسبب العشق الذي أكنه لشعب إيران ولثقافتهم. بقيت هنا قرابة سنتين دون العودة إلى أوغندا. كنت هنا حين بدأت الحرب ولم أرجع إلى بلدي في حين عاد زملائي وأصدقائي الطلاب إلى أفريقيا.
يؤكد طالب العلاقات الدولية: لا تستطيعون فصل المسيحيين والمسلمين عن بعضهم هذا عمل مستحيل. كان عشقي لشعب إيران ولقائد الثورة ولاسيما دوره ومكافحته الظالمين العامل الأكبر الذي أقنعني بالمجيء إلى هنا. لم أكن أستطيع أن أفوت فرصة وداعه. كنا نواجه في أفريقيا مشاكل كثيرة ولاسيما مع وجود الاستعماريين حين انتصرت الثورة في إيران.
فمثلاً تولى نلسون ماندلا قيادة المؤتمر الوطني الأفريقي في عهد الفصل العنصري في جنوب أفريقيا. عملت ثورة إيران كمصدر إلهام لشعب جنوب أفريقيا ليتغلبوا على حكم أقلية البيض. كان قائد الثورة آية الله علي الخامنئي إلى جانب القائد السابق آية الله روح الله الخميني (ره) رائد الدعم الذي ساعد جنوب أفريقيا لتصل إلى النصر والاستقلال عام 1994.
بناءً عليه، بالنسبة للمسيحيين الآخرين، تعد هذه الثورة علامة على أن المسلمين حين يقدمون الدعم والمساعدة، لا يمارسون التمييز على أساس المذهب. طالما كنتم مظلومین، فهم سيقفون إلى جانبكم. خذوا الشعب الفلسطيني كنموذج معاصر؛ فقد عانوا معاناة لا تحصى منذ عام 1948 وحتى الآن. ومع ذلك، من بين كل الدول المسلمة، إيران هي التي وقفت إلى جانبهم بثبات حتى اليوم، بينما يكتفي الآخرون بالمشاهدة.
في النهاية، لعبت إيران دوراً رئيسياً في مساعدة ودعم المظلومين على المستوى العالمي.
قائد الثورة الشهيد نموذج الصمود أمام الظالمين
يقول باقر عثمان، طالب هندسة مدنية من دولة نيجيريا عن قائد الثورة الشهيد بغصة عميقة وعيون دامعة: بعيداً عن النقاش الديني والمذهبي، يجب أن نتعلم من إنسانيته. إيران هي نموذج العالم كله لمقارعة الظالم. كل من يريد الاستقلال، يجب أن يتخذ إيران قدوة له. قبل استشهاد قائد الثورة الشهيد، كان ظلم واستكبار أمريكا غير معروف للكثير من شعوب العالم؛ لكن الآن اتضح للعالم أجمع كون أمريكا ظالمة، وكذلك اتضحت إنسانية إيران.
لقد قررت المشاركة في مراسم التشييع من أجل الإنسانية ولكي أُظهر أن طريق قائد الثورة الشهيد مستمر. نحن الآن نقتدي بآية الله السيد مجتبى الخامنئي، لكي نشهد -إن شاء الله- زوال الاستكبار العالمي وانتصار الشعب الإيراني.
جرح لا يندمل
السيد مطهر علي شاهي، طالب إدارة أعمال، بعد انتهاء إقامته في إيران، عاد إلى إيران مجدداً متحملا المشقة للمشاركة في الوداع الأخير لقائد الثورة الشهيد. هو يذكّر بيوم علمه باستشهاد قائد الثورة قائلاً: في يوم استشهاد قائد الثورة كنت في طهران. ورغم بدء الحرب كنت أنا وكل طلاب الدول الأخرى نقول سنبقى في إيران ولن نعود.
كان الوقت قريباً من السحر
استيقظت ورأيت أصدقائي يبكون. في ذلك الوقت علمنا باستشهاد قائد الثورة الشهيد. كان شعورنا وحالنا يشبه حال من استُشهد والدهم. في ذلك اليوم نفسه تظاهر أبناء بلدي أمام السفارة الأمريكية في باكستان، وما زال مواطنيّ يشعرون بالحزن والأسى على قائد الثورة الشهيد. عندما ذهبت إلى باكستان، كان الجميع يقول لي حين تعود إلى إيران، قل للإيرانيين إننا نقف إلى جانبهم بأرواحنا وأموالنا، وإنهم ليسوا وحدهم.
لقد انتهت إقامتي في إيران وعدت إلى باكستان. بمجرد سماعي خبر تشييع جثمان قائد الثورة، تقدمت بطلب للحصول على تأشيرة فوراً. توسلت في مجلس الإمام الحسين (ع) أن يساعدني في تسهيل حصولي على التأشيرة. في تلك الليلة نفسها علمت أن تأشيرتي قد صدرت. في ذلك الوقت لم تكن تذاكر الطيران متوفرة، وقضيت سبعة أيام في الطريق حتى أصل إلى إيران وأشارك في تشييع قائد الثورة الشهيد. رأيت في بلدي أن أحرار العالم أجمع، على اختلاف أديانهم ومعتقداتهم، تقاربوا بعد استشهاد قائد الثورة الشهيد. هذا الأمر -وهو استشهاده بين أهله وفي مكتب عمله- أثر كثيراً في شعوب العالم أجمع، والكل يقول إن على القائد أن يكون مثل آية الله السيد علي الخامنئي بجانب شعبه.
صباح الخميس تحرك موكب من مؤسسة قدس الثقافية باتجاه مسار بدء التشييع والوداع الأخير لقائد الثورة الشهيد. دموع أعينهم وعزاؤهم الحار يشهد على أن تعلقهم القلبي بقائد الثورة الشهيد لا ينتهي.
كانت الشمس تتلألأ -مشاركةً الناس المفجوعين- على أرض مشهد الرضا (ع) الدافئة. كان الناس من جميع أنحاء إيران والعالم يتوافدون تدريجياً حاملين رايات حمراء في شارع الإمام الرضا (ع)، وكانت الجموع تزداد لحظة بلحظة.
غبار الحزن كان ينتشر في هواء مشهد بين رائحة الحرمل وماء الورد، وقبة الإمام الرؤوف (ع) الذهبية كانت تقف على أكتاف المدينة أكثر مهابة من أي وقت مضى، ليصبر الناس على هذا الوداع الأخير، ويشيعوا جثمان قائد الثورة الشهيد في موكب مهيب باتجاه الحرم المطهر للإمام الرضا (ع).