قافلة دخلت هذه المدينة في 20 أبریل 2026 بدعوة من خَدَمة الإمام الرضا (ع). وأنا أقف بين صفوف الخَدَمة الذين تُهدّئ شالاتهم الخضراء حرقة القلوب، أحدّق في الامتداد اللامتناهي للسّكَك الحدیدیة، هناك حيث تمضي الورود الحمراء في أيدي الخَدَمة لاستقبال أناس لجؤوا إلى أحضان إمامهم بعد خمسين يوما من قلب فاجعة كبرى.
يصل القطار، يصدح صوت المارش العسكري في أرجاء المحطّة بالنشيد الوطني، وفجأة يمتلئ الفضاء بملحمة صامتة. قافلة ميناب المؤلّفة من 550 شخصا، الناجون من تلك «الشجرة الطيبة» التي تحوّلت في شهر رمضان إلى موضع إرتقاء شهداء بلغوا السماء على يد أكثر أعداء الإنسانية إجراما وهاهم الآن قد بلغوا الملاذ الآمن. يندفع المصوّرون والصحفيون نحو درجات القطار لتوثيق هذه اللحظات؛ لحظة حمل فيها أبطال معركة رمضان غبار الغربة إلى حريم عليّ بن موسى الرضا (ع).
عندما فتحت أبواب القطار، كأن قطعة من جغرافيا الجنوب قد اتصلت بمشهد. رجال بملابس سوداء ونساء يوارين تحت عباءاتهن العربية الجنوبية جبالا من الكلمات التي لم یبحن بها، يخطون واحدا تلو الآخر فوق حجارة رصيف المحطة. الأطفال بعيونهم الجنوبية الواسعة السوداء التي كأنها احتضنت كلّ ليالي بساتين النخيل في الجنوب، ينظرون حولهم بدهشة ممزوجة بفرح طفولي. كلّ واحد منهم يضمّ إلى صدره إطار صورة شهيد كأنهم يحرسون آخر أنفاس أحبّتهم. خطواتهم هادئة، لكن آثار أقدامهم ثقيلة. قد تكون الحقائب وحقائب الظهر خفيفة لرحلة لا تتجاوز ثلاثة أيام، غير أنّ الحمل الذي أثقل أكتافهم الوقورة یزید آلام العالم كلّه. هنا يبدو الجميع متشابهين؛ فهم جميعا ورثة«ألم مشترك» تشابكت خيوطه الآن في مشهد.
وفي وسط هذا الجمع، ألمح زوجين شابَّين يسيران كتفا إلى كتف بخطوات مرتجفة، كلاهما يمسك معا بإطار صورة واحدة؛ صورة ابنهما الوحيد. الله وحده يعلم كم من الآمال نسجا لهذه الثمرة الوحيدة في حياتهما، وكم ألف مرة أغدقا عليه عبارات الحب والدلال حتى يبلغ هذا العمر. والآن كلّ ذلك المستقبل الطويل قد انحبس في خيال لم يكتمل في قلب والدیه.
وعلى مسافة قلیلة تجلس جدّة بوجه متعب كسرته السنين تضمّ صورة حفيدها إلى صدرها كأنّها تريد أن تبثّ فيه الحياة بدفء وجودها. يداها المتجعّدتان كجذورِ نخلة هرِمة، قد التفّتا حول إطار الصورة ولم تعودا تفلتانه، كأنّ هذا الإطار هو كلّ ما تبقّى من عالمها وقد جاء اليوم إلى الزيارة.
أصل إلى أب وأمّ يحملان طفلتهما الرضيعة بين أذرعهما. تنظر الطفلة حولها ببراءة غير مدركة لما يجري. فهي لا تعرف ما معنى فقدان الأخ لكنها منذ مدّة لم تعد ترى تلك الابتسامة الحلوة الأليفة التي كانت دائما تلاعبها. تبحث بين الجموع عن رفيق لعبها الدائم ولا تعلم أنّ أخاها صار الآن يراقبها من داخل إطار الصورة التي يحملها الأب على صدره.
وفي خضمّ هذا الحضور، تتعلّق عيناي بطفلة صغيرة تركت آثار الجراح القاسية نقشا غريبا على كلتا يديها الناعمتین. يقول والدها: «هذه ابنتي… جريحة المدرسة».
أجثو أمامها لأصير على قَدر عظمتها. أنظر إلى يديها الصغيرتين وأقول لها: «فداء ليديك الجميلتين… لم أر من قبل طفلة جريحة مثلك». وفي داخلي عاصفة من الألم والحزن. أيّ اسم هذا الذي حملته في مثل هذا العمر! لعلّ هذه الطفلة الجريحة الواقفة أمامي بكت يوما على يدي حامل لواء كربلاء فغدت اليوم تشبهه، تحمل على جسدها وسام جریحة الحرب.
أرى أبا يمسك بيد زوجته وطفله الآخر بإحكام وعيناه مملوءتان بسؤال لا يجد جوابه إلا عند إيوان الذهب.
لا يدري كيف يمكنه أن يواصل الحياة من دون فلذة قلبه، لذلك جاء بما تبقّى له من حياته إلى الإمام الرضا(ع) علّ المولى يضع يده على قلوبهم القلقة فيسكّنها ويمنحها الطمأنينة.
يمضي الموكب بين عبق العود وأريج الورود ويصنع طريقا من العظمة. وفي وسطه تقف أمّ أخفت وجهها تحت عباءتها السوداء، لكنها رفعت إطار صورة ابنها فوق رأسها؛ كأنها تريد أن تقول للإمام الرضا (ع): هذا کرامتي وفخري هذا كلّ ما جئت به إليك.
وبعد برهة، حين نخرج من القاعة يرتفع في فضاء المحطة المفتوح صوت يمزّق أوتار قلبي: «هؤلاء الناس لديهم الإمام الرضا(ع)… ولديهم الإمام الحسين(ع) وكربلاء…».
أبکي بحرقة وأنظر من بعيد إلى سواد حشودهم، التي أصبحت الآن تحت سماء مشهد تلمع أكثر من أي نور وأردد في قلبي: هؤلاء الناس لديهم الإمام الرضا(ع).
أناس ل يأتوا هذه المرّة لطلب حاجة، بل جاؤوا ليقولوا إنّ الآلام العظيمة لا تصغر إلا في حضن الله وأوليائه. عطر ميناب يفوح الليلة في أجواء مشهد وأنا مأخوذة بدهشة أمام كلّ هذا الجمال الذي نهض من وراء ذلك الكمّ من المعاناة.
أودعهم بدموعي وأتمتم: هؤلاء الناس لديهم الإمام الرضا(ع)… والإمام الرضا (ع) هو حامي هذا البلد.