لا تعدّ ذكرى افتتاح رواق «دار الحجة» المبارك مجرد محطة تاريخية في سجل الإنجازات العمرانية للحرم الرضوي الشریف، بل هي تجسيد عيني لهمٍّ مقدّس؛ همٌ يملي بأن لا يبقى أي زائر عرضة للشمس والمطر دون مأوى. لم تدّخر العتبة الرضوية المقدسة في هذه البقعة من الجنة جهدا في خدمة الزائرين. وهي سياسة تتلألأ في صدارة قرارات متولي هذا الحرم منذ عقود، تهدف إلى إيجاد فضاءات مسقوفة ومعيارية، كي يلتقط المتعبون في طريق الولاية أنفاسهم في أكثر بقاع الأرض أمانا. وهنا كل عمود وكل قوس وكل شباك فولاذي، هو مرآة تعكس رأفة الإمام الرضا (ع) ونهجه ورحمته التي لا تنتهي.
عمارة الكرامة؛ هندسة في خدمة حُرمة الزيارة
إنّ رواية بناء رواق دار الحجّة (عج) هي رواية العجائب. فمن أواخر سنة 1381 (2001) حين وُضع أساس هذا الصرح العظيم في الطابق السفلي من صحن الثورة الإسلامية، وإلى اليوم الذي افتتح فيه سنة 1387(2007) بحضور المسؤولین، واجه مهندسو الحرم الرضوي الشریف تحدّيا إلهيّا؛ كيف يمكن إنشاء سبعة آلاف متر مربّع من الفضاء المسقوف دون أن يمسَ أيُ ذرّة من الخلل ببوّابتَي النقّارة والساعة البالغ وزنهما سبعة آلاف طنّ؟ إنّ هذا المشروع الفريد الذي أثار دهشة مهندسي العالم لم يكن مجرّد إنجاز إنشائي؛ بل كان قمّة الاحترام لكرامة الزائر.
في هذا الرواق 182 عمودا يبلغ ارتفاع الواحد منها سبعة أمتار، تبدو كأنها أيد مبسوطة للمُضيف، تحتضن فضاء بارتفاع سبعة أمتار. وقد زُيّنت الجدران بإزارة حجرية، ونقوش جصّية دقيقة وفنون تطعيم المرايا التي لا نظير لها؛ وفي النقطة الواقعة تحت مشربة «إسماعيل طلايي» مباشرة، تتجلّى الرّسميّات المعمارية بتشكيلات من البتلات الإسليمية المذهّبة، لتداعب بجمالها الأبصار.
وأمّا ذروة هذا الإبداع الفنّي فهي ذلك الشبّاك المُستحدث الذي أُزيح الستار عنه في الجهة الجنوبية وبمحاذاة ضریح الإمام الرضا (ع)؛ شباك تزيَّن بورق الذهب والنقوش البارزة لأسماء الأربعة عشر معصوما، ليتيح للمحبّين المشتاقين أقربَ مسار للاتصال الروحي بنقطة خلف رأس الإمام(ع)
امتداد نهج من السيرة الرضوية إلى بِساط الزائرين
إنَ ما يجري في الحرم الرضوي الشریف ليس مجرد عمليات عمرانية، بل هو ترجمة عملية للسيرة الرضوية؛ تلك السيرة التي تُعد فيها ضيافة الآخرين الركن الأول من أركان الإيمان بلا قيد ولا شرط،. لقد أكّد آية الله السيد أحمد مروي، متولي العتبة الرضوية المقدسة، مرارا في لقاءاته واجتماعاته الاستراتيجية على هذا المبدأ: أنَ تسهيل الزيارة والارتقاء بمستواها هما الأولوية القصوى للعتبة، وأنَ خدمة الزائر هي عين العبادة وخدمة للإمام الرضا (ع) بحدّ ذاتها.
لقد أثمرت هذه الرؤية العميقة ألّا تقتصر الخدمات في رواق دار الحجّة (عج) على توفير سقف آمن فحسب؛ فاليوم وفي رحاب هذا الرواق وبدعم من مركز الاستشارات الجامع التابع للعتبة الرضوية المقدسة، يُصغي أخصّائيون نفسيّون ذوو خبرة إلى هموم الزوّار في أجواء من السكينة والطمأنينة.
وقد سعت منظمة العمران وصيانة الحرم الرضوي إلى ألّا تبقى أدنى حاجة للزائر دون تلبية من خلال إنشاء مرافق صحيّة حديثة وتصميم عناصر الدخول التراثية عبر معتصم الشيخ الطوسي وفرش آلاف الأمتار المربّعة من السجاد اليدوي.
وإنّ هذا القدر من الإمكانات يدل على نهج العتبة الرضوية المقدسة المستمرّ منذ عقود، حيث بقيت ثابتة على سياستها الرامية إلى رعاية ضيوف ثامن الشموس ولم تدخر جهدا في توفير سبل الراحة لهم. وممّا يجدر ذكره أنّ آية الله واعظ طبسي (طاب ثراه)، متولي العتبة الرضوية الراحل، كان قد وصف هذا المشروع عند افتتاحه بأنّه خطوة قیمة نحو تطوير المساحات الزيارتية والعبادية؛ وهو مسار يتواصل اليوم بمزيد من العزم والبصيرة.
جيران الشمس الأبديّون؛ حين يسكن دم المقاومة في كنف الحرم
إنّ تراب رواق دار الحجة (عج) ليس مجرد مضيف لسجدات العاشقين، بل هو مهد طمأنينة لمن ضحوا بحياتهم من أجل إعلاء اسم هذا الامام نفسه. وفي السنوات الأخيرة، فتح هذا الرواق الشامخ ذراعيه لاحتضان أجساد شهداء الحرب المفروضة الطاهرة، بتوجيه من متولي العتبة الرضوية المقدسة. ويعد اللواء القائد محمد شيرازي واللواء خطيب من بين أولئك الأبطال الذين استقروا في ثرى هذا الرواق المبارك بجوار ضریح الإمام الرؤوف.
إنّ حضور هؤلاء الشهداء العظماء بين أعمدة دار الحجة (عج) قد خلق رابطة عميقة لا تنفصم بين ثقافة الإيثار وثقافة الخدمة. فالزائر الذي يجلس على سجاد هذا الرواق، لا يتنفس في كنف كرامة الإمام الرضا (ع) فقط، بل يتكئ على مزار من ضحوا بأرواحهم لحفظ حريم هذه الولاية. هذا الجوار المبارك أضفى على كل لبنة ومرآة في هذا الرواق هوية ملحمية وملهمة، ويظهر للعالمين أن الحرم الرضوي ليس مجرد مكان للعبادة، بل هو قاعدة راسخة للمقاومة والكرامة والإنسانية.
في ضجيج العالم اليوم، يشكّل رواق دار الحجة (عج) ملاذا يفقد فيه الزمان ألوانه. فمن ذلك اليوم من شهر مرداد حين فُتحت أبواب هذا الرواق أمام العاشقين وإلى اليوم، تزيّن كل ركن منه بأدق الفنون وأحدث الإمكانات، وتتردّد في فضاء هذا الرواق رسالة واحدة مشتركة: «هذا بيتُك الأبوي، فاطمئنّ».
وبالاعتماد على السيرة الرضوية والفهم العميق لشأن الزائر، أثبتت العتبة الرضوية المقدسة أن هندسة المنشآت ليست سوى ذريعة لهندسة القلوب. فحين تنظر من تحت قناطر دار الحجة (عج) الشامخة نحو القبة الذهبية، تدرك أن كل هذه الأعمدة والشبابيك والخدمات إنما ترمي إلى هدف واحد؛ وهو ألّا يشعر أي قلب بالغربة في حرم الإمام الرضا (ع) الآمن وأن يلمس كلّ متعب في هذا الاحتضان اللامتناهي المعنى الحقيقي لـ«الملاذ» بكلّ وجوده.