فيما يلي النصّ الكامل لمذكّرة حجّة الإسلام والمسلمين السيّد جلال الحسيني:
في أيّام أربعين دفن قائد الثورة الإسلاميّة الشهيد، سماحة آية الله العظمى الإمام السيّد عليّ الحسينيّ الخامنئيّ(رضوان الله تعالى عليه) الذي اقترن اسمه وذكراه بالعزّة والاستقلال والمقاومة ويقظة الأمّة الإسلاميّة، أجد نفسي لا في مقام مدير إداريّ، بل في مقام خادم تراث رجل عظيم كرّس حياته كلَّها دون انقطاع في سبيل الله وكرامة الناس وإعلاء شأن الإسلام المحمّديّ الأصيل.
وفي هذا السياق فإن ما خلفه سماحته من مآثر محفوظة في الخزانة الرضوية من مخطوطات وتقارير علمية ورسائل ومراسلات، إلى صور وأفلام وتقارير عن لقاءاته ومقتنياته الشخصية، لا يمثل بالنسبة إلينا مجرد مصادر أرشيفية، بل إن هذه الآثار مصباح تهتدي به الأجیال القادمة.
لذلك عندما أتجول بين مخازن المنظمة وخزائن المتحف وأرى مآثر القائد الشهيد( رضوان الله تعالى عليه) أدرک بعمق حقيقة أن مهمتنا لا تقتصر على حفظ هذه الآثار ماديا. بل نحن مكلفون بترجمة فكره وسيرته وأسلوبه القيادي وتدبيره السياسي وعدالته وروحانيته العميقة واهتمامه بالثقافة والعلم والفن إلى لغة مفهومة لجيل اليوم والغد. فهذه المآثر لا تروي حياة فردية فحسب، بل تروي تاريخنا المعاصر والثورة الاسلامية والدفاع المقدس والسنوات العصيبة من الحصار والضغوط ومقاومة شعب في ظل قيادة إلهية.
في الحقيقة نشعر في هذه الفرصة التاريخية أكثر من أي وقت مضى بضرورة أن تتجاوز مآثر القائد الشهيد(رضوان الله تعالى عليه) کونها إطارا بسيطا وعدة واجهات عرض لتتحول إلى مصدر للفهم؛ فهم ما كان يقوله وكيف كان يفكر وكيف كان يتخذ قراراته وكيف كان يخاطب الناس وكيف كان يقف في وجه العدو. وإذا كنا نشعر بغياب القائد الشهيد(رضوان الله تعالى عليه، لکن بوسعنا أن نحول غيابه الجسدي إلى فرصة لتعميق النهج الذي بدأه من خلال إبقاء فكره ومدرسته وسلوكه وأسلوب قيادته حيا.
وفي هذا السياق قامت منظمة المكتبات والمتاحف ومركز الوثائق في العتبة الرضوية المقدسة بوصفها إحدى الجهات المؤتمنة على جانب من هذا التراث، وببركة عناية الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، بوضع وتنفيذ برنامج شامل لجمع الوثائق والآثار المرتبطة به وتنظيمها وترميمها وتصنيفها ورقمنتها كي يخرج هذا التراث النفيس من كونه أرشيفا خاما ويتحول إلى مصدر حي للباحثين والأكاديميين والحوزات العلمية ووسائل الإعلام والفنانين وجميع المهتمين.
وفي هذا الإطار نتابع عدة محاور أساسية، يتمثل المحور الأول في فهرسة الآثار المكتوبة والمرئية والمسموعة المرتبطة به ووضعها في إطار علمي منظم. وتجري حاليا تصنيف المخطوطات والبيانات والرسائل والمراسلات والتقارير الرسمية وغير الرسمية ذات الصلة موضوعيا، بدءا من الفكر السياسي والفقه والأصول وصولا إلى تفسير القرآن والأدب والشعر والثقافة والفن والمقاومة والصحوة الاسلامية والشباب والجامعة والمرأة والأسرة والعلم والتكنولوجيا وقضايا العالم الاسلامي.
ويجري تنفيذ هذا العمل بهدف إتاحة الوصول إلى المصادر الأصيلة لفكر القائد الشهيد(رضوان الله تعالى عليه) أمام الباحثين وطلبة العلوم الدينية والطلاب والصحفيين بأقل القيود الممكنة.
المحور الثاني هو الحفظ والتعريف بالقطع المتحفية والمقتنيات الشخصية للقائد الشهيد، وهي آثار يمثل كل واحد منها وثيقة حية عن نمط حياته وبساطته وانضباطه وتواصله المستمر مع الناس واهتمامه الخاص بالعبادة. وقد سجلت هذه المقتنيات في خزائن متخصصة وتجري حمايتها باستخدام أحدث المعايير في الترميم والحفظ، لكي تتمكن الأجیال القادمة من تكوين صورة أكثر وضوحا وواقعية عن السلوك الفردي والاجتماعي لهذا القائد الإلهي.
المحور الثالث هو تنظيم الصور والأفلام وسائر المصادر المرئية المتعلقة به. وتتيح هذه المصادر إعادة قراءة مسيرة الحضور الاجتماعي والسياسي واللقاءات الشعبية والرحلات والاجتماعات المهمة واللحظات الحساسة التي اتخذ فيها القائد الشهيد قراراته. ونسعى إلى إتاحة هذا الرصيد الكبير أمام المراكز البحثية والتاريخية والاعلامية من خلال انشاء قاعدة بيانات مرئية واعتماد معايير ثابتة للوصف والفهرسة.
المحور الرابع هو إتاحة هذا التراث للعامة. وقد تم التخطيط للتعريف بجزء من المکنز وعرضه من خلال إقامة معارض موضوعية ومتخصصة في مشهد وطهران وقم ومدن أخرى؛ وهي معارض تسعى إلى تقديم مختلف أبعاد شخصية القائد الشهيد وسيرته للناس، ليس من خلال الوثائق الرسمية فحسب، بل أيضا عبر الذكريات والرسائل والمقتنيات الشعبية والروايات الأقل تداولا.
كما أن تصميم منصات رقمية ومتعددة الوسائط تتيح الوصول إلى جزء من هذه الوثائق عبر الانترنت، مدرج على جدول الأعمال بهدف تحقيق العدالة الثقافية في الانتفاع بهذا التراث.
بالنسبة إلينا، تمثّل كل وثيقة وكل صورة وكل مخطوطة تتعلق بالقائد الشهید صلة بين تاريخ البلاد ومستقبلها؛ مستقبل يُراد له أن يُبنى بالوعي والمعرفة والثبات على المبادئ التي يتبناها السائرون علی دربه.