في مثل هذه الظروف، لا يقتصر دور العلماء والمفكرين المسلمين على بيان الأحكام والمسائل العبادية فحسب، بل تقع على عاتقهم مسؤولية جسيمة تجاه المستقبل الفكري والثقافي والاجتماعي للأمة الإسلامية.
والوحدة الإسلامية بطبيعة الحال لا تعني تجاهل الاختلافات المذهبية أو السعي إلى توحيد المذاهب وصهرها في قالب واحد؛ وإنما تعني الفهم الصحيح لمواضع الاختلاف والاحترام المتبادل وتحويل المشتركات الإسلامية إلى أساسٍ للتعاون والتعايش.
وفي هذه المناسبة وبقلوب مفعمة بالولاء لنبيّ الرحمة (ص) وأهل بيته الطاهرين(ع)، أجرينا حوارا مع الشیخ الدكتور عابد نقيبي، الباحث في مجال الأديان والمذاهب الإسلامية، تناولنا فيه دور علماء العالم الإسلامي والسيرة السياسية للمعصومين(ع)، ومكانة التقريب بين المذاهب وضرورة مواجهة الحرب المركبة والإعلامية.
وندعوكم إلى متابعة هذا الحوار معنا فيما يأتي:
كيف تقيّمون دور علماء العالم الإسلامي في صون الانسجام الوطنيّ والأمّة الإسلاميّة؟
إذا أردنا الحديث عن مستقبل العالم الإسلامي، فلا يمكننا أن نتجاهل دور العلماء. فعالم الدین ليس مجرد معلّم للأحكام الفردية؛ بل إنّ كلمته تؤثّر في كثير من المجتمعات الإسلامية، في الثقافة العامة والسلوك الاجتماعي، بل وحتى في نظرة الناس إلى القضايا السياسية والاجتماعية.
يقول القرآن الكريم: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾؛ وهذه الآية تبيّن مبدأً بالغ الأهمية للأمة الإسلامية. والنقطة الجوهرية هي أن القرآن لا يقول إن على جميع المسلمين أن يفكّروا بالطريقة نفسها، بل يؤكد الاعتصام الجماعي بحبل الله واجتناب الفرقة.
ومن هنا، ينبغي لنا التمييز بين الاختلاف والتفرقة؛ فالاختلاف العلمي كان موجودا في تاريخ الإسلام وسيظل كذلك، فحتى كثير من كبار الصحابة وأئمة المذاهب كانت لهم وجهات نظر متباينة في المسائل الفقهية، غير أن هذا الاختلاف العلمي لم يكن يؤدي بالضرورة إلى عداوة اجتماعية.
والمشكلة تبدأ حين يخرج الاختلاف المذهبي من حيّز البحث العلمي ليتحول إلى أداة للكراهية أو التكفير أو العنف أو التنافس السياسي. ومن هذا المنظور، فإنَّ أحد أهم واجبات علماء العالم الإسلامي هو إدارة هذه الاختلافات لا إذكاء نارها.
ينبغي للعالِم الشيعي أن يدرك أنَّ لديه مشتركات كثيرة مع أخيه المسلم من أهل السنة إلى جانب معتقداته الخاصة، وكما ينبغي للعالِم السنيّ في الوقت الذي يتمسك فيه بمذهبه أن يعلم أن محبة أهل البيت (ع) جزء لا يتجزأ من الثقافة الإسلامية. اليوم يجب على عالم الدين أن يبثّ الطمأنينة في المجتمع لا القلق وأن يرسّخ الثقة لا انعدامها وأن يدعو الناس إلى الحوار لا إلى العداء.
وهذه المسألة لها أهميتها البالغة أيضا في مجال الانسجام الوطني؛ فبلدان مثل إيران تتمتع بتنوع قوميّ ومذهبيّ، وهذا التنوع لا يمثّل تهديدا، بل يُعدّ رصيدا وطنيّا كبيرا إذا اقترن بالعدالة والاحترام المتبادل والعقلانية.
وبناء على ذلك فإنني أرى أنّ الوحدة الوطنية والوحدة الإسلامية ليستا موضوعين منفصلين عن بعضهما البعض؛ فكلما زادت الثقة بين القوميات والمذاهب، أصبح الأمن والانسجام الوطني أكثر استقرارا ورسوخا.
بالنظر إلى تأكيد مؤسس الجمهورية الإسلامية الإيرانية على الأبعاد السياسية والمنهج الهادف في كفاح الأئمة المعصومين (ع)، كيف يمكن للسيرة السياسية ومواقف أهل البيت (ع) أن تُشكّل نموذجا عمليا لاتحاد العالم الإسلامي في مواجهة مؤامرات الأعداء؟
لمعرفتنا بأهل البيت (ع) لا ينبغي لنا أن ندرسهم بوصفهم مجرد شخصيات تاريخية وعاطفية فحسب، بل إنّ أهل البيت (ع) قد عاشوا في خضمّ التحولات الاجتماعية والسياسية للعالم الإسلامي ويجب فهم قراراتهم في ضوء الظروف التاريخية والاجتماعية والسياسية لعصرهم.
ومن الأخطاء التي نرتكبها أحيانا هي فصل سيرة أهل البيت (ع) عن ظروف زمانهم؛ بينما لو درسنا التاريخ، لوجدنا أنّ كلَّ إمام من الأئمة (ع) كان يتخذ قراراته في ظل ظروف خاصة تتناسب مع واقع المجتمع آنذاك. فعلى سبيل المثال لا يمكن اعتبار واقعة عاشوراء مجرد حدث تاريخي فحسب؛ إذ وقف الإمام الحسين (ع) في وجه انحراف كان يراه تهديدا لأصول الإسلام.
في المقابل نرى في محطات أخرى من تاريخ أهل البيت (ع) نهجا يولي أهمية كبرى لحفظ مصالح الأمة الإسلامية والحيلولة دون تفككها الاجتماعي. وهذه النقطة تمثل درسا عظيما لواقعنا المعاصر؛ فتعلمنا سيرة أهل البيت (ع) ضرورة التمسك بالأصول مع مراعاة مقتضيات الزمان وفهم ظروفه.
فإذا كنا نتحدث اليوم عن أهل البيت (ع) فينبغي أن نكون قادرين على استلهام الدروس منهم لحل معضلات عصرنا الراهن. ومن أهم هذه الدروس أن أعداء الإسلام لا يتمكنون من الهيمنة على المسلمين إلا عندما يحولون خلافاتهم الداخلية إلى انقسامات حادة. كما يحذرنا القرآن الكريم بقوله تعالى: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾؛ مما يعني أن النزاعات والصراعات الداخلية من شأنها أن تقوض قوة المجتمع وتُضعف شوكته.
وبناء على ذلك فإذا تعاون الشيعة والسنة في وجه الظلم والتطرف والاحتلال والإرهاب وأي محاولة لتفتيت المجتمعات الإسلامية وإضعافها مع الحفاظ على هويتهم المذهبية، فإنهم في واقع الأمر يطبّقون أحد أهم دروس السيرة الإسلامية في زماننا هذا.
كما ينبغي لمحبة أهل البيت (ع) أن تترجم إلى أخلاق وسلوك اجتماعي؛ فمن يدّعي محبة أهل البيت(ع)، بينما يزرع لسانه الكراهية بين المسلمين، فعليه أن يعيد النظر في فهمه لسيرتهم.
معارف أهل البيت (ع) كنز عظيم، لكنها قد تبقى أحيانا كـ«خمر معتّق في الخوابي» فما الدور الذي يضطلع به علماء التقريب في تقديم هذه المعارف إلى العالم بلغة العصر؟
إنَّ هذا التعبير القائل إنّ معارف أهل البيت (ع) تشبه«الخمر المعتق في الخوابي»، يشير إلى واحدة من القضايا المهمة في العالم الإسلامي. فنحن نمتلك تراثا عظيما من القرآن الكريم والحديث الشريف وسيرة النبيّ (ص) وأهل البيت (ع) والصحابة وأئمة المذاهب؛ لكنّ السؤال هو: هل استطعنا أن ننقل هذا التراث إلى هذا الجیل بلغته؟
إنّ لجيل الشاب أسئلة مختلفة؛ فهو يتساءل عن العدالة والحرية والأخلاق والهوية ومعنى الحياة والعلاقة بين الدين والسياسة والعلم والتكنولوجيا، بل وحتى مستقبل البشرية. فإذا لم يتمكّن عالِم الدين من تقديم إجابات عقلانية موثَّقة ومفهومة عن هذه الأسئلة، فسوف تملأ وسائل التواصل والفضاء الرقمي هذا الفراغ بروايات وأفكار أخرى. ومن وجهة نظري ينبغي للعالِم التقريبي أن يكون مترجما للتراث الإسلامي إلى لغة الإنسان المعاصر.
وبالطبع لا يُراد بالترجمة هنا مجرّد الترجمة اللغوية؛ بل ينبغي أن نتمكّن من تحويل المفاهيم الإسلامية العميقة إلى خطاب معاصر. فعلى سبيل المثال حين نتحدّث عن العدالة في سيرة الإمام عليّ (ع) ينبغي أن نبيّن ما صلة العدالة العلوية بمفهوم العدالة الاجتماعية في عصرنا.
وحين نتحدّث عن أخلاق النبيّ (ص) يجب أن نُظهر كيف يمكن لهذه الأخلاق أن تكون مؤثرة في الأسرة والمجتمع والسياسة والعلاقات بين المسلمين، وحين نتحدّث عن الإمام الحسين (ع) ينبغي كذلك أن نوضّح للجيل الجديد الرسائل الإنسانية والأخلاقية والاجتماعية لواقعة عاشوراء.
كما أنّ التقريب بين المذاهب لا يقتصر على عقد المؤتمرات والندوات؛ فالتقريب يعني المعرفة المتبادلة والحوار العلمي وتقليل سوء الفهم وتهيئة الأرضية للتعاون العملي.
ينبغي أن نُعلّم الشباب الشيعيَّ والسّنّيّ أنّ التعرّف إلى المذهب الآخر لا يعني التخلّي عن مذهبه، بل إنّ الإنسان كلّما اتّسعت معرفته، كان أبعد عن الوقوع أسيرا للشائعات والتعصّبات العمياء.