بحسب تقریر وكالة أنباء آستان نيوز، وبمناسبة الذكرى السنوية لشهداء الخدمة، توجهنا إلى سماحة حجة الإسلام والمسلمين شريعتي تبار، الباحث في الفقه والأصول في مجمع البحوث الإسلامية التابع للعتبة الرضوية المقدسة، والمدیر التنفيذي السابق للمجمع، لنستعرض للمرة الأولى تفاصيل إعداد ونشر آثاره العلمية. يكشف هذا الحوار عن جانب من شخصية عالم ربط بين العمل السياسي والمباني الأصيلة للفقه الإسلامي.
سماحة الشیخ، كثير من الناس يعرفون الشهيد رئيسي بوصفه رجل ميادين العمل التنفيذي، لكنكم كنتم على صلة قريبة بآثاره العلمية ودروسه، كيف تقيّمون الأبعاد التخصصية لشخصيته في مجال الفقه وأصول الفقه؟
نعم هذا صحيح تماماً. لقد كان الطابع التنفيذي للشهید بارزاً لدرجة أن جوانبه العلمية قد تكون غابت عن الأنظار، لكن الحقيقة هي أنه كان يتمتع بقدرة متميزة في العلوم الحوزوية. على سبيل المثال في الفترة التي كان يتولى فيها مسؤوليات جسيمة في السلطة القضائية، مثل منصب النائب الأول أو المدعي العام للبلاد، لم يبتعد أبداً عن الأجواء العلمية؛ حيث كان يدرّس في طهران مباحث قانونية وقضائية معقدة للقضاة رفيعي المستوى في المحكمة العليا للبلاد.
حصيلة تلك الجلسات التخصصية نُشرت اليوم في ثلاثة مجلدات قيّمة بعنوان «قواعد الفقه» وتشمل ثلاثة مجالات: قواعد الفقه القضائي، وقواعد الفقه العبادية، وقواعد الفقه الاقتصادية. إن قدرة شخص على تبيين قواعد الفقه للمستويات القضائية العليا في البلاد تدل على مدى تسلطه اللافت على الأسس الحقوقية والفقهية.
يُعدّ تدريس كتاب «كفاية الأصول» بين طلاب الحوزة مقياساً لمستوى الأستاذ العلمي. فما قصة تدريسه لهذا الكتاب في مدرسة مروي بطهران، وذلك الدَّور الكامل في علم الأصول؟
هذه نقطة بالغة الأهمية. ففي أوائل تسعينيات القرن الماضي قام بتدريس دورة كاملة ودقيقة لكتاب «كفاية الأصول» للمرحوم الآخوند الخراساني في مدرسة مروي التاريخية في طهران. ويُعدّ كتاب الكفاية من الكتب العمیقة والمليئة بالدقائق العلمية، ولا یقدر أي شخص على تدريسه.
لقد قام بتدريس هذا الكتاب من أوله إلى آخره بدقة علمية عالية لطلبة الحوزة. وأنا أعتقد أن من يستطيع أن يدرّس هذا النص الاستدلالي الصعب على أكمل وجه، فإنه بلا شك وصل لمرتبة الاجتهاد. وهذا التمكن الذي كان لديه في علم أصول الفقه كان في الحقيقة يشكّل الأساس الحقوقي الذي كان يستفيد منه في إداراته ومهامه الكبرى.
هل استمرت هذه الأنشطة العلمية في مدينة مشهد بعد تعيينه متولياً للعتبة الرضوية المقدسة أيضاً؟
نعم فقد بدأ في مشهد أيضاً درس البحث الخارج في الفقه، وقد لاقت هذه الجلسات إقبالا واسعا من قبل فضلاء ونخب الحوزة العلمية في مشهد. وكان محور مباحثه هناك «فقه الوقف»، حيث كان يطرحه بالاعتماد على كتاب «تحرير الوسيلة» للإمام الخميني (رحمه الله) وبسبب مسؤوليته في منصب متولي العتبة الرضوية المقدسة، وهي أكبر مؤسسة وقفية في إيران، كان على تماس مباشر مع القضايا المستحدثة والتحديات العملية المتعلقة بالوقف، وهذا ما جعل درس البحث الخارج الذي يقدمه درسا تطبيقيا بامتياز يركّز على حلّ المشكلات الواقعية، وليس مجرد نقاش نظري بحت.
ما الذي دفعكم إلى اتخاذ قرار بطبع هذه الدروس الشفوية والتقريرات ونشرها في مجمع البحوث الإسلامية؟
ما هي دوافع الشهيد الأصلیة في نشر هذه الآثار؟ تعود بداية هذا العمل إلى الفترة التي كنت فيها مديرا تنفيذيا لمجمع البحوث الإسلامیة، ففي أحد اللقاءات ذكر الشهيد رئيسي أن مثل هذه الآثار موجودة، وأن قسماً من دروسه قد قام تلامذته بتفريغها وكتابتها، وكان يريد أن يعرف ما إذا كانت هذه المباحث قابلة للتحول إلى عمل بحثي متقن أم لا.
وفي الحقيقة كان الدافع الأساسي هو تسجيل هذا النتاج العلمي وإتاحته للمجتمعين العلمي والقضائي. وبما عُرف عنه من تواضع، سلّم إلينا هذه الملاحظات لكي نجري عليها المراجعات والدراسات اللازمة.
كيف جرت عملية تحويل تلك الأقوال الشفهية ودروس البحث الخارج إلى كتب منقحة وعلمية في مجمع البحوث؟ هل كان هو نفسه يشرف على عملية التدوين؟
نعم كان عملا دقيقا وشاقا للغاية. في البداية كان يجب تحويل تلك المباحث الشفهية إلى لغة كتابية وتحرير علمي رصين. بدأنا العمل في قسم الفقه بالمجمع بالتعاون مع عدد من الزملاء المتخصصين. أجرينا التصحيحات الأدبية، والأهم من ذلك كان تخريج المصادر؛ حيث قمنا باستخراج وتوثيق كافة المصادر والمرجعيات الفقهية والروايات والأحاديث التي استند إليها في دروسه بدقة متناهية.
والمثير للاهتمام أن الشهيد كان هو نفسه يشرف على هذا البحث، ففي المواقف التي كان فریق العمل یحس بوجود نقص في توضيح مسألة ما أو تكرار أثناء تفريغ الدروس كان يتدخل شخصيا للتصحيح. لقد منحني مطلق الصلاحيات في هذا المسار لضمان خروج العمل بأعلى درجات الجودة العلمية.
إذا نظرنا إلى مستوى هذه الدروس نظرة نقدية وعلمية، فكيف يمكن تقييم هذه الآثار مقارنة بدروس كبار مراجع الحوزة؟
كان الشهيد رئيسي واقعيا ومتواضعا إلى حدّ كبير في هذا الشأن. كنا نقول له إن هذه المباحث لا ينبغي مقارنتها مثلا بمستوى دروس مراجع كبار مثل آية الله وحيد الخراساني وهو نفسه كان يقرّ بذلك. فمستوى هذه المباحث ربما كان أقل قليلا ومصوغاً بطريقة أكثر ملاءمةً للجانب التطبيقي والعملي. ومع ذلك كان يؤكد أن ما طُرح فيها صحيح ومتين من الناحية العلمية. وفي الحقيقة إن هذه الآثار أخرجت الفقه من حالته التجريدية ونقلته إلى مستوى الاحتياجات القضائية والتنفيذية.
برأيكم من تفید هذه الكتب؟ هل هي موجهة أساساً لطلاب الحوزة أم يمكن لطلاب الجامعات أيضاً الاستفادة منها؟
هذه أعمال تخصصية والمخاطب الأول لها هم طلاب الحوزة والباحثون في الفقه وأصوله، لكن النقطة المهمة هي أنه في تخصص الفقه والقانون في الجامعات، توجد مادة دراسية تُسمّى «القواعد الفقهية» في مرحلة البكالوريوس وما فوق ومن المقرر أن تُعرَّف هذه الآثار وتُعتمد بوصفها مقررا دراسيا في الجامعات، كما أن هذه الكتب تُعدّ مصدرا بحثيا قيّما للقضاة وموظفي الجهاز القضائي وخبراء منظمة الأوقاف، إذ تفتح أمامهم آفاقا ومسارات جديدة للبحث والدراسة.
ما هي الميزة النوعية التي تُميز آثار الشهيد رئيسي وسط هذا الكم الهائل من المؤلفات العربية والفارسية في مجال القواعد الفقهية؟
إن المصادر الكلاسيكية مثل كتب القواعد لآية الله البجنوردي ومكارم الشيرازي والسبحاني أو الفاضل اللنكراني، هي في الغالب باللغة العربية. أما الشهيد رئيسي فقد استثمر تلك المصادر الأصيلة، لكنه قدم المباحث باللغة الفارسية وبأسلوب أدبي وعلمي يجعله أكثر قابلية للفهم للمخاطب في عصرنا الحالي.
ورغم وجود مصادر أخرى باللغة الفارسية أيضاً، إلا أن هذه المجموعة تتمتع بمكانة خاصة كونها نصا مُنقحا صِيغ بقلم فقيه كان يعمل في الميدان القضائي ومطلعا على التحديات العملية للقانون والقضاء في آن واحد.
هل كان هناك أثر مكتوب آخر قيد الإعداد، وبقي ناقصا بسبب استشهاده؟
نعم للأسف كان هناك مشروع كتاب آخر حول موضوع «الأخلاق»، حيث تم تفريغ محتوياته وتدوينها وكانت تحتاج فقط إلى قليل من التنقيح والمراجعة النهائية ولكن بسبب استشهاده بقي هذا العمل ناقصا.
في الواقع إن شخصيته العلمية راسخة ومُثبتة بما يكفي من خلال هذه الآثار التي تركها، سواء من تدريس كتاب الكفاية لطلبة السطوح العالية أو قواعد الفقه لقضاة المحكمة العليا.
في الختام وبصفتكم شخصا قضى ساعات طويلة مع آثاره وفكره، ما هي الصورة التي تترسخ في ذهنكم عن الخصائص الأخلاقية والمهنية للشهيد رئيسي؟
كان الشهيد رئيسي بحق إنسانا مخلصا، دؤوبا ومتواضعاً إلى أبعد الحدود، فرغم كل تلك المشاغل الجسيمة بقي علی اتصال بالعلم والبحث والتدريس، وهذا دليل على روح علمية عميقة وسامية.
لقد كان يتقن فن المودة وحفظ الصداقة ولن أنسى أبدا حين قال لي: «أنا أدعو لك بالخير في كل مرة أطالع فيها كتاب الوقف، شكرا لجهودكم في تنقيحه ».
لقد كان وفيا ومقدِّرا للجهود، وفي النهاية نال جزاء هذا الإخلاص وتفانيه في خدمة الناس بأسمى خاتمة وهي الشهادة. نسأل الله أن تكون هذه الآثار العلمية صدقة جارية في ميزان حسناته وعِلماً ينتفع به الناس.