آخر الأخبار
رمز الخبر : ۶۷۵
۱۳:۲۹

۲۰۲۶/۰۹/۲۱
إجماع النخب الدولية في الجلسة التخصصية لمؤتمر الإمام الرضا (ع) العالمي السادس

صوت العدالة الرضوية ضد هياكل الهيمنة

ذبی
من قطرة ماء في غزة إلى الخوارزميات التي تستهدف العقل البشري؛ رواية يوم من الحوار بين مفكرين من عدة قارات في مشهد المقدسة حول كيف يمكن للمقاومة أن تنتقل من الوقوف في وجه الهيمنة إلى بناء نموذج حضاري.

بحسب تقریر وکالة أنباء آستان نيوز، يوم واحد، ست جلسات، وعشرات المتحدثين من جغرافيا متباعدة؛ من إيران ولبنان وفلسطين إلى كندا وأستراليا والأرجنتين والبرازيل والدول الأوروبية. كانت نقطة البداية للنقاشات هي «كرامة الإنسان»، لكن الحوارات سرعان ما خرجت من حدود المفهوم النظري ووصلت إلى الحياة الواقعية؛ إلى ماء وكهرباء غزة، إلى الشاب المسلم الذي يبحث عن هويته في مجتمع آخر، إلى الأقلية والمحروم الذي لا يُسمع صوته كثيراً، إلى الجامعة والمختبر، إلى الحرب والأخلاق، وأخيراً إلى الخوارزمية التي يمكنها التأثير على ما يراه الإنسان ويفكر فيه دون أن تحتل حدوداً.
عُقدت الجلسة التخصصية الدولية لمؤتمر الإمام الرضا (ع) العالمي السادس، في 16 سبتمبر 2026 في مشهد المقدسة؛ وهي جلسة تمهيدية للمؤتمر الرئيسي العام المقبل، ولم تكن قضيتها مجرد قراءة تراث تاريخي. کان السؤال الرئيسي: ما الذي تقدمه تعاليم الإمام الرضا (ع) لمواجهة قضايا الإنسان المعاصر؟
لم تكن الإجابات متشابهة. تحدث الحقوقي الفلسطيني عن حق الإنسان في الماء والطاقة؛ والباحث الأرجنتيني عن الصهيونية الإنجيلية وصناعة «العدو» في الروايات السياسية؛ والمفكر التونسي عن المقاومة في ميدان المعنى والهوية؛ والأستاذ الإيراني عن الهيمنة المعرفية والخوارزمية؛ والباحث البرازيلي عن العلاقة بين العلم والأخلاق والحضارة؛ وتحدث متحدثون من دول مختلفة عن تربية جيل الشباب، العدالة، الوحدة، القيادة، حوار الأديان، والقوة الاجتماعية.
لكن من بين كل هذه الأصوات، طرح سؤال واحد نفسه بهدوء في مركز النقاش: إذا أراد مجتمع ما أن يقول (لا)، فهل لديه شيء يبنيه لما بعد هذه (اللا)؟
وربما لهذا السبب اكتسبت الجمل القصيرة لروني ألفا، المفكر المسيحي اللبناني، معنى أبعد من نفسها بعد ساعات من النقاش: «القوة لا تُبنى بالسلاح فقط»؛ هذا صحيح؛ فالمدرسة تبني القوة أيضاً، والجامعة كذلك. والعلم والاقتصاد والثقافة والهوية أيضاً، وبالطبع الإنسان الذي استطاع أن یواجه نفسه قبل أن یواجه الآخرین.
من التوحيد إلى الحياة اليومية
بدأ جزء من النقاشات من نقطة تبدو للوهلة الأولى بعيدة كل البعد عن السياسة والعلاقات العالمية: «التوحيد».
لم يعد حجة الإسلام والمسلمين حميد بارسا نيا، أستاذ علم الاجتماع بجامعة طهران وعضو المجلس الأعلى للثورة الثقافية يعتبر نظام الهيمنة قضية محصورة في العالم الإسلامي. من وجهة نظره لا تبدأ الهيمنة بالضرورة باحتلال عسكري لأرض ما، ولا تنتهي عند ذلك في عالم تتشابك فيه اقتصاديات وسياسات وثقافات المجتمعات.
وعاد بارسا نيا إلى حديث سلسلة الذهب ومناظرات الإمام الرضا (ع) لتوضيح طاقة العالم الإسلامي، ولكن ليس للتوقف عند التاريخ. كان رأي هذا الأستاذ هو أن التوحيد إذا بقي مجرد قضية عقائدية فإنه لم يظهر كل طاقته بعد، بل يجب أن يجد طريقه إلى الحياة الاجتماعية وعمل الإنسان.
ورأى الدكتور عبد الحميد طالبي، رئيس المنظمة العلمية والثقافية في العتبة الرضوية المقدسة، هذه القضية من زاوية أخرى: كيف يمكن رواية سيرة الإمام الرضا (ع) لإنسان اليوم؟
وباعتقاده إذا اقتصر تقديم الإمام الرضا (ع) على السيرة العبادية والأخلاقية فقط، فإن جزءاً من الصورة سيظل خفياً. يجب أن تدخل الجوانب العلمية والكلامية والتاريخية والاجتماعية والحضارية لشخصية الإمام الرضا (ع) إلى ميدان البحث والحوار؛ وليس فقط من خلال إعادة نشر ما قيل سابقاً، بل عبر الدراسات البينية والبحث الجديد والترجمة المعتبرة والشبكة العلمية والإعلام الجديد.
وقال طالبي نقطة صريحة بهذا الخصوص: إن عالمية المعارف الرضوية لا تتحقق ببضعة كتب وبضع جلسات، فهي تحتاج إلى برنامج طويل الأمد وشبكة مستدامة ومعرفة للمخاطب الذي لا تكون أسئلته حول الدين والروحانية والعدالة والأسرة والأخلاق والكرامة الإنسانية بالضرورة هي نفس أسئلة المخاطب التقليدي.
هنا تشكل تمييز مهم: امتلاك التراث ليس كامتلاك لغة الحوار مع العالم
أخذ حجة الإسلام والمسلمين شجاع علي ميرزا، المبلغ الشيعي الدولي في كندا ورئيس مدرسة الدراسات الإسلامية والغربية، هذا النقاش إلى «الهوية والجماعة والقوة». تحدث عن المسلمين الذين يعيشون كأقلية في قلب مجتمعات أخرى. في مثل هذه الظروف، تبدأ القوة الاجتماعية قبل أن تبدأ من المؤسسات الكبرى، من حيث يدرك الناس هويتهم ويجتمعون معاً ويبنون جماعة يمكنها دعمهم.
وعاد الشيخ زيد السلامي، رجل الدين والباحث الشيعي المقيم في أستراليا، خطوة إلى الوراء في هذه المنظومة الخطابية وتساءل: أي جيل سيقوم ببناء هذه الجماعة؟
كانت إجابته: الیافعون والشباب. ویعتبر الأسرة الميدان الأول لتشكيل شخصيتهم، وحذر من أن جيلاً بلا شعور بالهدف والهوية لن يعود إلى القيم بمجرد نصائح عامة. يجب أن يكون التواصل محترماً وحقيقياً وإنسانياً.
ومن بين النقاط التي استخلصها من سيرة الإمام الرضا (ع)، كانت واحدة جديرة بالتأمل جداً لواقع اليوم: حتى في المناظرة، عندما يُراد نقد عقيدة الآخر، لا مكان لتحقير الإنسان المقابل؛ أي يمكن أن تخالف فكرة ما وتعتبر صاحب تلك الفكرة لا يزال محتفظاً بكرامته.
المجتمع المقاوم يحتاج قبل كل شيء إلى إنسان مقاوم
عندما أثير نقاش المجتمع والمقاومة، بدأ حجة الإسلام والمسلمين محمد جواد محمدي کلبایکاني، عضو الهيئة التدریسیة بجامعة طهران وصهر القائد الشهيد (رحمه الله)، من داخل الإنسان بدلاً من ميدان السياسة.
وضع حدا بين الشهادة وثقافة الشهادة. في اعتقاده الشهادة حدث، لحظة محددة، لكن تلك اللحظة لا تتشكل دون مسار يسبقها.
ووضع محمدي کلبایکاني خمسة عناصر بجانب بعضها: الإيمان، الإخلاص، المعرفة، الجهاد، والاستقامة.
وفي هذا السياق، الشهادة ليست نتيجة انفعال مفاجئ. يجب أن يكون الإنسان قد عاش بوعي، وجاهد قبلها ولم يتعب في منتصف الطريق.
ووصل السید سعيد رضا عاملي، رئيس كلية دراسات العالم بجامعة طهران وأمين مؤتمر الإمام الرضا (ع) العالمي السادس، في ختام هذه الجلسة الدولية التخصصية إلى نفس النقطة من زاوية أخرى عندما تحدث عن قائد الثورة الإسلامية الشهيد، سماحة آية الله السيد علي الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه)، واعتبر ميدان المعركة الأول ليس في الخارج، بل في داخل الإنسان: جهاد النفس.
ومن وضع هذين الخطابين جنباً إلى جنب تکونت صورة واضحة: المقاومة الاجتماعية هي مجرد شعار خارجي بلا إنسان استطاع التغلب على نقاط ضعفه الداخلية. 
وأوصلت زينب سيدة ميرزا، مدرسة جامعة العلمية في تورنتو بكندا، هذا الخط إلى المسؤولية التاريخية. وتحدثت عن الشهادة ليس فقط كحزن، بل كسؤال: من يشهد هذا الحدث، ماذا يفعل بعده؟
كانت عبارتها المفتاحية هي العبور من مشاهد التاريخ إلى فاعل التاريخ، والفاعلية لا تبدأ بالضرورة بأحداث كبيرة. يمكن أن تبدأ من المنزل، تربية الأبناء، الاختيارات اليومية، والالتزام العملي بما يعرف الإنسان أنه الصواب.
وتابع بارسا نيا في جزء آخر من البرنامج، نفس هذه العلاقة بين الحدث والمجتمع من منظور العلوم الاجتماعية بتقديم مجموعة بعثة الدم، وهي مجموعة من الكتابات التي حاولت تسجيل وتحليل الانعكاس الاجتماعي لشهادة القائد الشهيد (رحمه الله). لم تكن أهمية الأمر بالنسبة له مجرد تسجيل الفقد، بل في كيف يمكن لحدث ما أن يجبر المجتمع على إعادة التفكير في القيادة والمسؤولية والمستقبل.
القوة ليست فقط ما يُرى في ميدان الحرب
بدأ جعفر علي لَدَك، إمام الجماعة السابق لمركز باب العلم في ليدز بإنجلترا، النقاش بسؤال بسيط: كيف يجب قياس النصر في الحرب؟ هل يكفي أن نحصي الخسائر ونرى أي طرف دفع تكلفة أكبر؟
قال: لا. يجب أولاً فهم الهدف الذي دخل به كل طرف إلى الميدان، ثم قياس مدى تحقيقه لذلك الهدف.
لكن نقاشه سرعان ما تجاوز تقييم الحرب ووصل إلى الاكتفاء الذاتي. من وجهة نظر لَدَك، الاستقلال الحقيقي غير ممكن دون تقليل التبعية الخارجية، لكن الاكتفاء الذاتي لا يعني العزلة، بل يعني بناء شبكة من الاعتماد المتبادل حيث يمكن لاقتصادات ومعارف ورؤوس أموال وطاقات الدول الإسلامية أن تعزز بعضها البعض.
أما غادة الحسيني، الخبيرة الإعلامية في البرلمان اللبناني، ربطت الاستقلال بالكرامة. في اعتقادها، لا ينبغي قياس قوة بلد ما بالتجهيزات العسكرية والمؤشرات الكلاسيكية فقط. فالمجتمع الذي يستطيع الوقوف على طاقاته والدفاع عن هويته وإرادته، يختبر شكلاً آخر من القوة.
وشككت الدكتورة رقية فاضل، باحثة العلوم التربوية، في مفهوم القوة. فإذا كان نظام العالم يتغير، فلماذا يجب أن تظل معايير قياس القوة كما هي في النظام السابق؟
ومن وجهة نظرها، الحديث عن الحضارة الإسلامية الحديثة لا يجب أن يختزل في أن يأخذ لاعب جديد مكان أحد اللاعبين القدامى في جدول القوة. إن كانت المسألة جدية، يجب أن تصل إلى تغيير منطق القوة نفسه؛ نظام يكون التوحيد والعدالة والكرامة الإنسانية حاضرة في أساسه.
هنا لم يعد النقاش حول من هو الأقوى؛ بل كان السؤال: القوة من أجل ماذا؟
الإنسانية كلمة أكبر من الحدود
تحدثت سلوى بنت محمد بن طاهر النمر، المجتهدة ومديرة حوزة السيدة المعصومة (س) من الحجاز، في نقاشها عن القيادة العالمة.
وأكدت أن مقارنة سيرة الإمام المعصوم (ع) بقائد ديني معاصر لا تعني تساوي المقامات، لكن يمكن دراسة النماذج والمبادئ. ومن بين كلامها، كانت هناك كلمة ذات أهمية خاصة: الإنسانية.
من وجهة نظر النمر، الرسالة الدينية إذا توقفت عند حدود القوم أو البلد أو حتى جماعة مذهبية، فإنها تفقد جزءاً من طاقتها. كما تحدثت عن قيادة تعرف طاقتهم الفكرية وتسعى لسوق تلك الطاقة إلى مسار التطور.
ونقلت آرزو مرالي، المؤسسة المشاركة للجنة حقوق الإنسان الإسلامية في لندن، هذا المعنى إلى نطاق مسؤولية القائد. من وجهة نظرها، القيادة الإسلامية ليست مسؤولة فقط عمن يوالونها أو من هم على مذهبها. العدالة تكتسب معناها عندما تشمل دائرة المسؤولية المخالف والموافق، المسلم وغير المسلم.
ومن هذا المنظور القوة إذا أريد لها أن تكون أخلاقية، يجب أن تُختبر تحديداً في المكان الذي تواجه فيه الآخر.
هيمنة لا تحتاج جواز سفر لعبور الحدود
تحدث هدلي المنصر، عضو الهيئة التدریسیة بجامعة القيروان في تونس عن ميدان آخر، ميدان لا صوت للانفجار فيه، ولا يُرى بالضرورة على الخريطة.
لم يكن يرى الهيمنة المعاصرة سياسية أو اقتصادية أو عسكرية فقط. فالهوية والثقافة والأسس الروحية للشعوب يمكن أن تكون هدفاً أيضاً. وفي هذا الإطار لم يكن حرم الإمام الرضا (ع) بالنسبة له مجرد جغرافيا للزيارة؛ بل كان مركزاً للمعنى والهوية يمكن أن يلعب دوراً في مواجهة التآكل الثقافي.
وأخذ عاملي هذا النقاش خطوة إلى الأمام وتحدث عن الهيمنة الخوارزمية والهيمنة المعرفية. ربما كان هذا أحد أكثر النقاشات معاصرة في ذلك اليوم.
وعندما يمر جزء كبير من حياة الإنسان على المنصات لا تقرر الخوارزمية فقط أي إعلان يظهر أمام عينيك، بل يمكن أن تلعب دوراً في ما تراه أكثر، وأي رواية تأخذها بجدية أكبر، وكيف تفهم العالم. الهيمنة على هذا المستوى لا تحتاج لعبور حدود جغرافية لدخول مجتمع آخر.
وتحدث عاملي، الذي يشغل منصب أمين مؤتمر الإمام الرضا (ع) العالمي السادس، أيضاً عن الظلم الهيكلي؛ حيث الظلم ليس مجرد سلوك فردي، بل توجه ومؤسسة وسلوك يبنون معاً آلية نتيجتها عدم المساواة والضغط. كانت إجابته معرفة في نفس النطاق: العدالة الهيكلية، ليس فقط إنساناً عادلاً، بل تفكيراً عادلاً ومؤسسة مؤيدة للعدالة وسلوكاً عادلاً.
حقوق الإنسان في غزة تعني أحياناً الماء
في وسط كل هذه النقاشات النظرية أخذ أنور الطويل، الحقوقي الفلسطيني وحاصل على دكتوراه في الحقوق من جامعة المنصورة بمصر، المسألة إلى حيث تصبح المفاهيم الكبيرة فجأة صغيرة وملموسة جداً: غزة.
تحدث عن انقطاع الكهرباء وعن تدمير مصادر الطاقة وعن صعوبة وصول الناس إلى الماء. لم يعد حق الإنسان هناك مصطلحاً في مقالة أكاديمية. أحياناً حق الإنسان يعني الماء، يعني الكهرباء، يعني أن تستطيع عائلة أن تعيش يوماً آخر.
وصل الطويل من هذه التجربة إلى الحق في التمتع بالطاقة، ولم يعتبر مسألة الماء والطاقة في غرب آسيا مجرد مسألة نقص موارد، بل طريقة التوزيع وإمكانية وصول الناس إليها هي جزء من المسألة.
وفتح سابيتي أنغوي، الحاصل على دكتوراه في القانون الخاص من دولة الكونغو، باب العدالة من زاوية أخرى. العدالة من وجهة نظره ليست مجرد مطالبة من الهيكل السياسي، بل يجب أن تبدأ من الإنسان نفسه ثم تتوسع في المجتمع.
أما الشيخ عبد الكريم باز، مسؤول التعليم في جامعة الإمام علي (ع) الافتراضية في كولومبيا ذهب أيضاً إلى أولئك الذين غالباً ما يكونون أقل حضوراً في متن النقاشات الكبرى: ذوو الإعاقة، الأقليات، المحرومون، والجماعات التي صوتها أضعف. كان سؤاله بسيطاً: إذا كان مجتمع ما يعتبر نفسه عادلاً، فكيف هو وضع من لديهم أقل قدر من القوة؟
هذا السؤال نفسه، ينزل العدالة من مقام الشعار إلى أرض الواقع
حتى الحرب لا يمكنها تعطيل الأخلاق
طرح حجة الإسلام والمسلمين علي قمي، الباحث الباكستاني، أحد أصعب أسئلة اليوم: إذا تعرض مجتمع لهجوم واضطر للدفاع، هل تتعطل الأخلاق من تلك اللحظة فصاعداً؟ كانت إجابته واضحة: لا.
وضع للجهاد الدفاعي ثلاثة أضلاع: الإطار القرآني، الأخلاق، والقيادة المشروعة.
وفي اعتقاد قمي، الفرق بين الدفاع المشروع والعنف غير المنضبط يكمن تحديداً هنا. سلوك المعتدي لا يمكن أن يكون مبرراً للطرف الآخر ليتجاوز كل الحدود.
ربما يكون هذا أحد أكثر الاختبارات جدية لأي ادعاء أخلاقي: يستطيع الإنسان الحديث عن الأخلاق طالما لا يملك القوة، أما الاختبار الحقيقي فيبدأ عندما يمتلك قوة الرد.
وربط السيد طه عادل محمد مجاهد، مسؤول أمانة حركة مستقبل العدالة اليمنية في إيران، مسألة المقاومة بمعرفتين: معرفة الذات ومعرفة العدو. المجتمع الذي لا يعرف من هو وما هي القوة التي يواجهها، لا يمكنه بناء استراتيجية واضحة.
واعتبر حجة الإسلام والمسلمين السيد مرتضى السندي، قائد حركة تيار الوفاء الإسلامي الثورية في البحرين، الضلع الثالث هو الوحدة. المقاومة في نظره ليست مجرد تحالف سياسي وعسكري، بل يجب أن تعتمد على الوعي والكرامة والاستقلال وتضامن الشعوب.
واستهدفت حنا الموسوي من لبنان سوء فهم قديم: الوحدة لا تعني التفكير بنفس الطريقة.
ليس من المفترض أن يمحو الشيعة وأهل السنة اختلافاتهم ليتحدوا. المسألة هي ألا يتحول الاختلاف إلى نزاع يقضي على القوة المشتركة للمجتمع. كانت عبارتها واضحة: حماية الأمة تبدأ من حماية وعيها.
ورسم مسعود شجرة، رئيس لجنة حقوق الإنسان الإسلامية في لندن حداً آخر بين شعوب الغرب والهياكل السياسية الحاكمة في الدول الغربية. من وجهة نظره لا ينبغي أن يتحول نقد نظام سياسي إلى عداء مع الشعوب التي قد تكون هي نفسها منتقدة لنفس تلك السياسات.
عندما يُصنع عدو من دين ما
أخذ خليل زوالوس، الباحث الأرجنتيني النقاش إلى أمريكا اللاتينية وتحدث عن انتشار الصهيونية الإنجيلية وتأثير بعض القراءات الأخروية على السياسة والإعلام.
لكن أهم جزء في كلامه ربما لم يكن عن الصهيونية، بل عن الدين نفسه. لا يجب اعتبار اليهودية مرادفة للصهيونية السياسية، ولا يمكن اختزال المسيحية في الصهيونية المسيحية، ولا يمكن مساواة الإسلام بأي تيار سياسي أو متطرف يطلق على نفسه اسم الإسلام.
عندما يتم اختزال تقليد ديني معقد في أيديولوجيا سياسية يصبح صنع عدو دائم أسهل بكثير. في مواجهة هذه الرواية، تحدث زوالوس عن مناظرات الإمام الرضا (ع) هكذا: يمكن للمرء أن يقف على عقيدته ويستدل وفي نفس الوقت لا يقصي الآخر لمجرد أنه مختلف.
وصلت آنا ماري أوربو كيركيغارد وسياوش بي‌كناه من جامعة مالمو من مسار مختلف تماماً إلى نفس مسألة القوة والقيادة. لقد أعادا قراءة «ليفيان» توماس هوبز مع التركيز على أسسه اللاهوتية وتساءلا: هل وظيفة القوة السياسية هي الحماية الجسدية للمجتمع فقط، أم أن الأخلاق والمعنى وتوجه المجتمع جزء من مسألة القيادة أيضاً؟
أحياناً تكمن أهمية خطاب ما ليس في الجواب الذي يقدمه، بل في السؤال الذي يضعه على الطاولة.
العلم عندما يخرج من المقالة
ذهب محمد رضا مخبر دزفولي، رئيس أكاديمية العلوم في الجمهورية الإسلامية الإيرانية في خطابه إلى قوة يقل سماع صوتها: العلم. لخص المسار في ثلاث كلمات: الاستهلاك، الإنتاج، التأثير.
فإذا تحول مجتمع من مستهلك للعلم إلى منتج له، فإنه لم يصل بعد إلى نهاية الطريق. يجب أن يخرج العلم من المقالة والمختبر ويحل مشكلة ويؤثر في حياة الناس. ومن هذه النقطة وصل إلى العلم الحضاري. العلم الذي لا يبني القدرة فحسب، بل يمتلك طاقة الإلهام.
واعتبر إليزر رانييري ماركيز دا سيلفا، الباحث البرازيلي، أن للحضارة ساحتين: الأداة والمعنى. في جانب يوجد العلم والتكنولوجيا والصناعة والقدرة الدفاعية، وفي الجانب الآخر العدالة والأخلاق والروحانية والكرامة الإنسانية. لا يكفي أي منهما دون الآخر. المجتمع الذي يمتلك الروحانية لكنه يفتقر إلى القوة العلمية يصبح عرضة للخطر. والمجتمع الذي يمتلك القوة العلمية لكنه لا يمتلك الأخلاق، لا يبني بالضرورة حضارة إنسانية.
ربما كانت هذه واحدة من أوضح خلاصات اليوم: التقدم، إذا لم يعرف من أجل ماذا ولمن، ليس حضارة بعد.
من الوقوف إلى البناء
في نهاية اليوم، كانت خيوط النقاش المتفرقة قد اقتربت من نقطة واحدة: إذا كانت المقاومة تقتصر فقط على قول (لا)، فهي لم تقل شيئاً بعد عن الغد.
وهنا كانت جملة روني ألفا تجد معناها مرة أخرى في ختام المراسم: القوة لا تُبنى بالسلاح فقط.
تحدث ألفا، المدير التنفيذي لـ Proper Words، ومدير المعهد العالي للإدارة والحوكمة ومدير مكتب بيروت لشبكة الميادين، عن العلم والمدرسة والجامعة والمعرفة كأجزاء من القوة.
وتابع السندي في الختام نفس المعنى: لا يمكن بناء الحضارة الإسلامية بالصواريخ والقوة العسكرية فقط؛ يجب أن يكون العلم والاقتصاد والسياسة والثقافة والمجتمع أقوياء أيضاً.
واعتبر عاملي في تلخيص الجلسات الست أن الحق في مواجهة نظام الهيمنة كان إحدى النقاط المشتركة للنقاشات؛ حق لا يقتصر بحسب قوله على المسلمين، لكن في تعريفه أيضاً لم تكن القوة عسكرية فقط، العلم والاقتصاد والقيم الحضارية وامتلاك أمة قادرة كانت جزءاً منها أيضاً. كان أفق النقاش بالنسبة له الحضارة الإسلامية الحديثة. هنا ربما تتضح المسافة بين المقاومة والحضارة، فالمقاومة يمكنها منع فرض شيء عليك، لكن الحضارة يجب أن تكون قادرة على بناء شيء ما. يجب أن تكون قادرة على الحديث عن العلم وفي نفس الوقت عن الأخلاق، عن الاستقلال وفي نفس الوقت عن العدالة، عن القوة دون نسيان الكرامة.
نافذة لا ينبغي أن تُغلق
ربما كانت النقطة الأكثر إثارة للاهتمام في هذا اليوم المليء بالخطاب هي هذه: في جلسة سُمعت فيها كلمات الحرب والهيمنة والمقاومة مراراً، كان الحوار يعود باستمرار، وهذا مستمد من سنة المناظرات الرضوية. ليس بمعنى التراجع عن العقيدة ولا كبديل للصمود، بل كأسلوب لمواجهة الإنسان الذي لا يفكر مثلنا.
من زيد السلامي إلى زوالوس، ومن حنا الموسوي إلى سلوى النمر، تكررت أشكال مختلفة لفكرة واحدة: الاختلاف لا يجب بالضرورة أن يصل إلى العداوة. كانت سيرة الإمام الرضا (ع) بالنسبة للعديد من المتحدثين تبتعد عن التاريخ تحديداً في هذه النقطة وتتحول إلى مسألة اليوم؛ الإمام الذي كان يحاور أتباع الأديان والمدارس المختلفة، وكان یصر على معتقده ويستدل، لكنه لم يجعل الاختلاف دلیلا للإساءة للآخر.
وفي نهاية هذا اليوم أُزيح الستار عن عدة أعمال علمية وبحثية؛ منها الترجمة البرتغالية لكتاب عالم آل محمد(ص) ومجموعة بعثة الدم ومجموعة مقالات مؤتمر الإمام الرضا (ع) العالمي السادس. ربما تجد هذه الترجمة البرتغالية معناها في امتداد أحد الأفكار الرئيسية للجلستين: الفكرة تصبح عالمية عندما تستطيع عبور حدود اللغة والمخاطبين المألوفين.
في عالم تظهر فيه القوة أحياناً بالطائرات المقاتلة والصواريخ، وأحياناً بالعقوبات والشبكات المالية، وأحياناً بالإعلام والرواية، وأحياناً حتى بخوارزمية تقرر ما يراه الإنسان، لم يعد الاستقلال مفهوماً أحادي البعد. القوة لازمة للصمود، لكن القوة لا تُبنى فقط في مخازن السلاح.
جزء من القوة يُبنى في المدرسة، وجزء في الجامعة والمختبر، وجزء في الاقتصاد والأسرة، وجزء في ذاكرة وهوية أمة، وجزء في إنسان تعلم أن يقف أمام الظلم، لكنه لا ينسى الكرامة في مواجهة الآخر. 
ربما تكمن الحدود بين المقاومة والحضارة هنا أيضاً
المقاومة هي القدرة على عدم قبول الهيمنة، والحضارة تبدأ من حيث يعرف مجتمع ما، إلى جانب هذه (اللا)، ماذا يريد أن يبني بدلاً منها.


تقرير الخطأ

نشر التعليقات
captcha
  • اختيارات المحرر
  • آخر الأخبار
قسم «سراي نجمة خاتون (س)» الداخلي للطلبة رمز لارتباط العلم والمعنوية افتتاح أحدث سكن طلابي في البلاد بحضور متولي العتبة الرضوية المقدسة القواسم المشتركة بين السيرة الرضوية ونهج القائد الشهيد في اختيار طريق الحق الإدارة الرشيدة والاستقامة في السيرة الرضوية نموذج متكامل للحوكمة الدينية المقاومة لا تُقهر بفضل «جهاد التبيين» والاعتماد على الفكر الرضوي السيرة الرضوية نموذج عملي لإعادة تعريف حقوق الإنسان القائمة على الكرامة الإنسانیة الإمام الرضا (عليه السلام) لا يزال محوراً لتقارب الشعوب والأديان مؤتمر الإمام الرضا (عليه السلام) يمهد لتعزيز وحدة الأمة الإسلامية نظرة أهل البيت (ع) المختلفة إلى العدالة النضال ضد السلطة حق للمطالبين بالحرية في العالم عبور رسالة الثورة الإسلامية الحدود الوطنية بالاعتماد على النموذج الرضوي الارتباط الوثيق بين السيرة الرضوية ونموذج حكم القائد الشهيد الأبعاد العابرة للمذاهب لاستشهاد القائد الشهيد في أمريكا اللاتينية من إعادة تعريف القوة في النظام العالمي إلى امتداد السيرة الرضوية في نموذج القيادة  مفكرون دوليون يبحثون «الكرامة وحقوق الإنسان» في ضوء التعاليم الرضوية الجهاد الدفاعي في المنطق الإسلامي يتبع إطاراً قرآنياً وأخلاقياً انطلاق الاجتماع التخصصي الدولي لمؤتمر الإمام الرضا (ع)العالمي السادس  مكتبة الحرم الرضوي؛ وريثة آثار الشعراء الفرس عبد العظيم الحسني (ع)؛ من المعرفة الدينية إلى الانسجام الاجتماعي جامعة الإمام الرضا (ع) ووزارة الخارجية مهدتا طريق التعاون العلمي تشرُّف طلاب كلية العلاقات الدولية التابعة لوزارة الخارجية الايرانية بزيارة الحرم الرضوي الشريف