وبحسب وکالة أنباء آستاننيوز، قال حجّة الإسلام والمسلمين علي خيّاط، مدير حوزة خراسان العلمیة وعضو مجلس التخطيط لمؤتمر إحياء الذكرى الخمسين لرحيل آية الله العظمى محمد هادي الميلاني، في المؤتمر الصحفي الخاص بهذا المؤتمر، الذي عُقد صباح الثلاثاء 23 دیسمبر 2025 في مجمع البحوث الإسلامية التابع للعتبة الرضویة، إنه بالإشارة إلى التاريخ العريق لحوزة خراسان العلمیة، تعتبر هذه الحوزة إحدى أقدم وأعرق المراكز العلمية في عالم التشيّع.
وأضاف: إن النواةَ الأولى لتشكّل حوزة خراسان العلمیة تعود إلى القرون الإسلامية الأولى، وعلى أقلّ تقدير إلى القرن الرابع الهجري، موضحًا أنه وفقًا للوثائق التاريخية، كان المرحوم الشيخ الصدوق (رحمه الله) يعقد جانبًا من مجالسه العلمية في جوار حرم الإمام الرضا (ع)، ومنذ ذلك الحين تحوّل الحرم الرضوي الشریف إلى محورٍ رئيسيّ لانتشار المدارس والمؤسسات العلمية.
وقال مدير حوزة خراسان العلمیة، في إشارةٍ إلى الدور التاريخي لهذه الحوزة في تربية الشخصيات العلمية البارزة: إن شخصياتٍ مثل الشيخ الطوسي المعروف بشيخ الطائفة، والخواجه نصير الدين الطوسي، يُعَدّون من خريجي هذه الحوزة العلمية أو ممن كانت لهم صلة بها، وعلى امتداد التاريخ تشكّلت في هذه الحوزة مدارسُ علميةٌ متعددة، نمت وتطوّرت واستمرّ عطاؤها عبر العصور.
العلماء حُرّاسُ العقيدةِ والفِكرِ في الإسلام
وقال حجّة الإسلام خيّاط: إنّ العلماء، حُرّاسُ العقيدةِ والفكرِ في الإسلام، مضيفًا أنّ العلماء كانوا على امتداد التاريخ حصونًا منيعة للدين، وقد أدّوا واجب حماية العقائد والأحكام والهوية الإسلامية، فضلًا عن نشر الدين وإقامته على الوجه الأمثل، على نحوٍ راسخ ومتين.
آيةُ اللهِ الميلاني، شخصيةٌ بارزةٌ في الحوزاتِ العلميةِ خلالَ القرنِ الأخير
وقال: إنّ المرحوم آية الله محمد هادي الميلاني يُعَدّ أحدَ أبرز الشخصيات في الحوزات العلمية في القرن الأخير، وإنّ هذا المرجع الجليل، بعد أن قطع المراحل العلمية والأخلاقية في حوزتي النجف الأشرف ثم كربلاء المقدسة، أسهم بهجرته إلى مدینة مشهد المقدسة بدورٍ فريدٍ لا نظير له في الارتقاء العلمي والتعليمي والإداري للحوزة العلمية في خراسان، وبلغ بهذه الحوزة في فترة حضوره ذروة ازدهارها وتميّزها.
الحضورُ المؤثِّرُ لآيةِ اللهِ الميلاني في الساحةِ الاجتماعيةِ والسياسية
وأضاف عضوُ مجلسِ النخطیط لمؤتمرِ تكريمِ آيةِ اللهِ الميلاني، مشيرًا إلى الأبعادِ المتعدّدةِ لشخصيةِ هذا العالِمِ الكبير، أنّ آيةَ اللهِ الميلاني، إضافة إلی مكانتِه العلميّةِ الرفيعةِ ومرجعيّتِه الدينيّة، كان له حضورٌ مؤثِّرٌ ودورٌ فاعلٌ في الساحتينِ الاجتماعيةِ والسياسية، وأنّ الوثائقَ التاريخيّةَ تشهدُ على مدى تأثيرِه في الفترات الحسّاسةِ من التاريخِ المعاصر، ولا سيّما مواقفِه وتفاعُلِه مع الأحداثِ السياسيّةِ البارزة، ومن بينها قضيّةُ نفيِ الإمامِ الخميني (قدّس سرّه).
وأضاف، في إشارةٍ إلى اهتمامِ المرحومِ آيةِ اللهِ الميلاني بتحديثِ الهياكلِ التعليميّةِ للحوزةِ العلميّة وتأسيسِ مدارسَ علمیة تتلاءمُ مع متطلّباتِ العصر، قائلا: أنّ الشخصيّةَ الأخلاقيّةَ والروحيّةَ والاجتماعيّةَ لهذا المرجعِ الراحل قد جعلتْ منه نموذجًا شاملًا ومتكاملًا یقتدي به الجیل الجدید.
ضرورةُ تعريفِ الجيلِ الشابّ بالنماذجِ الأصيلةِ للحوزاتِ العلميّة
وقال حجّةُ الإسلام خيّاط، مؤكّدًا أنّ تعريفَ المجتمع، ولا سيّما الجيلَ الشاب، بالنماذجِ الحوزويّةِ الأصيلةِ أمثالِ آيةِ اللهِ الميلاني يُعَدّ ضرورةً ثقافيّة، وانطلاقًا من هذا الهدف، وبمناسبة الذكرى الخمسين لرحيل آيةِ اللهِ الميلاني، سيُقامُ مؤتمرُ تكريمِ هذا العالِمِ المجاهِد، بقصد إعادة قراءةِ أبعادِ شخصيّتِه العلميّةِ والسياسيّةِ والاجتماعيّةِ والأخلاقيّة.
وأضاف: يُؤمَلُ أن يتمكّن هذا المؤتمر من أن يُشكّل خطوةً فاعلةً في التعريفِ الصحيحِ والشاملِ بهذه الشخصيّةِ الخالدةِ في تاريخِ الحوزاتِ العلميّة للمجتمع.
تكريمُ آيةِ اللهِ الميلاني: إحياءُ التراثِ العلمي وصناعةُ الخطاب
وخلال المؤتمرِ الصحفي، قال الدكتور أَحَد فرامرز قراملَكي، رئيسُ مجمع البحوثِ الإسلاميّةِ في العتبة الرضویة المقدسة، مشيرًا إلى المكانةِ العلميّةِ المرموقةِ لهذا العالِمِ الكبير: إنّ تكريمَ هذا المرجعِ الدينيِّ الرفيعِ هو في حقيقتهِ احتفاءٌ برأسمالٍ حضاريٍّ للعالَمِ الإسلامي؛ فهو فقيهٌ جمعَ بينَ الفضيلةِ والإخلاصِ وخدمةِ الناس، وكانت له مكانةٌ متميّزةٌ في الميادينِ العلميّة، ولا سيّما في الفقهِ والأصولِ والتفسير.
وقال: إنّ هذا المرجعَ الدينيَّ البارز استطاع أن يُربّي تلامذةً كبارًا وأن يخلّف آثارًا خالدة في مجال العلوم الإسلامية، وإنّ الاهتمامَ بإحياء ذكرى مثل هذه الشخصية إنما هو التفاتٌ إلى الرأسمال الهوياتي والحضاري للإسلام.
وأشار، في معرض حديثه عن مسار التخطيط لهذا الحدث المهم، إلى أنه بعد اتخاذ قرار إقامة التكريم في إطار مؤتمر علمي، جرت مراجعة جميع الأنشطة السابقة، بما فيها المؤتمرات، والمقالات، والكتب، والخطابات المرتبطة بآية الله الميلاني، ثم أُنجزت دراسات دقيقة لوضع تخطيط شامل، وهو مسار استغرق قرابة عام كامل.
وأعلن رئيسُ مجمع البحوثِ الإسلاميةِ في العتبة الرضویة المقدسة عن تشكيل مجلس سياسة المؤتمر، موضحا أن هذا المجلس تشكّل بمشاركة ممثلين عن العتبة الرضویة، والجامعات، ومراكز البحوث، والمؤسسات العلمية والإسلامية.
وأوضح الدكتور قراملَكي أن الهدفَ الرئيسَ من هذا المؤتمرهو إحياءُ التراثِ العلميِّ لآيةِ اللهِ الميلاني، مضيفا أن إحياءَ آرائه الفقهية، والأصولية، والتفسيرية، والكلامية من خلال دراسة الدروس والكتابات التي خلّفها هذا المرجع في مناسبات مختلفة يشكّل المحورَ الأساسَ لهذا المؤتمر.
وأشار إلى أنه حتى الآن عُقدت سبعُ ندواتٍ علميةٍ في مدینة مشهد، وتبريز، وكربلاء المقدسة، موضحا أن هذه الندوات أُقيمت بمشاركة مدارس حوزة خراسان العلمیة، وجامعة الفردوسي في مشهد، وحوزة تبریز العلمية، وحسينية النجف، وقد قُدّم خلالها ما يقرب من ثلاثين محاضرة علمية.
وتطرق الدكتور قراملكي، في سياق حديثه، إلى المنجزات العلمية للمؤتمر، قائلا: إن نشر المجموعة الكاملة للأبحاث في 33 مقالة علمية يُعد من أهم مُخرجات المؤتمر، إذ تغطي هذه الأبحاث مختلف الأبعاد العلمية، بما فيها الأصولية، والتفسيرية، والكلامية، والفلسفية، والاجتماعية، والسياسية.
نشر 12 عملا علميا مُستخرجا من دروس ومباني آية الله الميلاني الفكرية
وأضاف: حتى الآن نُشر اثنا عشر كتابا مهما تشمل تقارير الدروس، والمباني الفكرية، وتحليل المقاصد العلمية لآية الله الميلاني.
وتابع قائلا إن جزءا من هذه الآثار جرى إنتاجه بصيغة مرئية وبنطاق محدود، وسيُعرض بالتزامن مع انعقاد المؤتمر، لافتا إلى أن جميع هذه المُنجزات ستُقدَّم في إطار معرض للكتب والوثائق في مكان انعقاد المؤتمر لتكون في متناول واطلاع المُهتمين.
وبيّن رئيس مجمع البحوث الإسلامية في العتبة الرضویة في سياق حديثه برامج حفل افتتاح مؤتمر التكريم، قائلاً: إن مراسم الافتتاح ستُعقد صباح يوم الخميس 25 دیسمبر 2025 في قاعة القدس بالحرم الرضوي الشریف، مع توقّع مشاركة نحو 900 ضيف من المراكز العلمية والحوزوية من داخل البلاد وخارجها.
افتتاحِ المؤتمر برسالة قائدِ الثورةِ الإسلامية
وأضاف أنّه في حفل الافتتاح ستُعرَض رسالةٌ مصوّرةٌ لسماحةِ قائدِ الثورةِ الإسلامية مدّتُها نحو 23 دقيقة، كما سيُقدَّم بيانٌ مكتوبٌ ومفصّلٌ لسماحةِ آيةِ الله العظمى السبحاني، المرجعِ الدينيّ الشيعي، وعقب ذلك ستُلقى خمسُ محاضراتٍ تخصصية، مدةُ كلٍّ منها 20 دقيقة.
التأكيد على المحتوى التخصصي وتجنّب المجاملات المُعتادة
وأكد الدكتور قراملَكي، مشدّدًا على المنهج العلمي للمؤتمر، قائلاً: في هذا البرنامج حاولنا تقليص المجاملات إلى الحد الأدنى، وأن تكون الكلمات والمُداخلات ذات طابع تخصصي خالص، وبيّن أن المُتحدثين جرى اختيارهم من حوزات قم والنجف، ومن جامعة الفردوسي في مشهد، ومن جامعات أخرى، وكذلك من مدارس خراسان العلمية، وهم جميعًا من أهل الاختصاص وأصحاب الرأي في المجالات التي تميّز فيها آية الله الميلاني.
وأضاف أن جلسات المؤتمر التخصصية ستنطلق عصر يوم الخميس، ومن بينها الجلسة الفقهية ـ الأصولية التي سيديرها آيةُ الله دِرايتي، حيث سيُلقي عدد من كبار علماء الحوزة كلماتهم العلمية، وسیکون هناک کلمة خاصة لآيةِ الله السيد إبراهيم علم الهدى، أبرز تلامذة آية الله الميلاني، بهذه المناسبة.
وبقول الدکتور قراملَكي، فإن عقد جلسةٍ تخصصية حول تحول نظام الحوزات العلمیة التعلیمي، الذي كان آية الله الميلاني من روّاده الأوائل، وكذلك جلسة حول الحياة السياسية ـ الاجتماعية بمشاركة مُنظّرين وباحثين في هذا المجال، يُعدّان من البرامج العلمية الأخرى للمؤتمر.
إقامة معرض للكتاب وإزاحة الستار عن أعمال خطية
وأشار إلى البرامج الجانبية قائلا: إن إقامة معرض للكتاب، وإزاحة الستار عن الآثار الخطية لآية الله الميلاني التي نُسخت بجهود تلامذته، وعرض صور ووثائق تاريخية من جلسات تدريسه ولقاءاته، وكذلك إقامة مراسم قصيرة على مزار هذا المرجع العظيم في الحرم الرضوي الطاهر، هي من بين البرامج المُخطط لها.
وفي الختام، أكد رئيس مجمع البحوث الإسلامية التابع للعتبة الرضویة قائلاً: إن الهدف الأساسي من هذا المؤتمر ليس مجرد إقامة احتفال، بل إنتاج أعمال علمية رفيعة المستوى وخلق خطاب علمي مُستدام حول أفكار وتراث آية الله الميلاني، وهو خطاب يمكن أن يكون له تأثيره في الأوساط العلمية والحوزوية.
تكريم آية الله الميلاني، إحياءٌ لشخصيةٍ صانعةٍ للحضارة في مجال العلم والمعنوية
كما صرّح حجّة الإسلام والمسلمين مهدي شريعتي تبار، السکرتیر العلمي لمؤتمر إحياء ذكرى آية الله محمد هادي الميلاني، وهو أحد المتحدثين في المؤتمر الصحفي، بالقول: إن تكريم شخصيات مثل آية الله الميلاني ليس مجرد تكريمٍ لعالِم فقهي، بل هو احتفاء بشخصية علمية وأخلاقية وحضارية ومعنوية كان لها دورٌ فاعلٌ في عملية زیادة العلم والمعرفة والمعنوية في المجتمع.
وأضاف أن الاهتمام بمكانة العلماء الدينيين له جذور في الأُسس القرآنية والروائية والعقلية والاجتماعية، وصرَّح: لا يمكن للمجتمع البشري التقدم العلمي والأخلاقي دون جهود وتضحيات الأنبياء والأولياء والعلماء الصالحين. إن عقد مثل هذه المؤتمرات هو استمرار لهذا المنطق الإلهي والاجتماعي.
وبالإشارة إلى المكانة العلمية لآية الله الميلاني، أضاف: هذا المرجع العظيم كان فقيهًا وأصوليًا كبيرًا، إلا أن جزءًا من آثاره العلمية، خاصة في مجال أصول الفقه، لم يحظَ بالاهتمام والاستفادة الكافيين. أحد الأهداف المهمة للمؤتمر هو إحياء هذا التراث العلمي ووضعه تحت تصرف الباحثين وطلاب الحوزة والجامعيين.
وأكد السکرتیر العلمي لمؤتمر تكريم آية الله الميلاني أن الأنشطة العلمية للمؤتمر ليست محدودة بأيام انعقاده، موضحًا: لقد تم تصميم سياسة المؤتمر بحيث تكون هذه الحركة العلمية مستمرة؛ إذ أن جزءًا من آثار وأبعاد شخصية آية الله الميلاني يحتاج إلى المزيد من البحث والتوثيق والإحياء، والمؤتمر سیواصل هذا المسار في المستقبل.
واختتم حجة الإسلام والمسلمين شريعتي تبار تصريحاته بقوله: نأمل في المستقبل القريب أن يتم تقديم شخصيات عظيمة لم يُنجَز عنها عمل علمي شامل حتى الآن، إلى المجتمع العلمي والثقافي، بالإقتداء بهذه التجربة، لكي يظهر دورهم الأخلاقي والثقافي والحضاري في المجتمع أكثر فأكثر.
وفي إشارة إلى دور آية الله الميلاني في تاريخ الحوزات العلمية، قال: لقد لعب هذا المرجع الكبير، من خلال حضوره لأكثر من عقدين في مدینة مشهد المقدسة، دورًا مهمًا في الربط العميق بين حوزة النجف وحوزة خراسان، وحوّل الحوزة العلمية بخراسان إلى أحد المراكز المؤثرة في التربية العلمية والفقهية في العالم الشيعي.
وأشار السکرتیر العلمي للمؤتمر إلى تصريحات قائد الثورة الإسلامية حول آية الله الميلاني، قائلًا: لقد وصف قائد الثورة الإسلامیة هذا العالم الربّاني بأنه "قمة الفقه"، وأكد أن الحوزة العلمية بخراسان مَدينةٌ للجهود العلمية والتربوية لآية الله الميلاني.
وأضاف: لقد تشكلت هذه الحركة العلمية بتدبير وتعاون المؤسسات الحوزوية والبحثية، ونأمل أن تكون مُخرجاتها مؤثرة في مسار تعزيز الفكر الديني، والأخلاق الاجتماعية، والحضارة الإسلامية.
الجدير بالذكر أن مؤتمر إحياء الذكرى الخمسين لرحيل آية الله محمد هادي الميلاني، التي تُقام بجهود مشتركة بين المنظمة العلمية والثقافية للعتبة الرضویة المقدسة وحوزة خراسان العلمية، ستُعقد يوم الخميس، 25 دیسمبر 2025، في مدینة مشهد المقدسة.