يشهد حرم الامام الرضا (ع) في هذه الأيام من شهر رمضان المبارک حدثا مميزا حيث يفوح عبق الوحدة في ظل الإمامة، ويقضي 450 طالبا من 36 دولة من مختلف أنحاء العالم، من افريقيا إلى أوروبا أياما ملكوتية جنبا إلى جنب.
هنا شبستان مسجد جوهرشاد حيث تذوب الجغرافيا في نظرات طلاب قادمين من أراض بعيدة وتتجسد الأمة الواحدة في صورة حية نابضة.
وبحسب تقرير وکالة أنباء آستان نيوز، يقام هذا البرنامج بمبادرة من جامعة المصطفى العالمية، ممثلية خراسان وبالتعاون مع العتبة الرضویة المقدسة. اعتكاف يتجاوز كونه شعيرة عبادية ليغدو مرآة للتآلف والتلاحم بين أبناء الأمة الاسلامية في ظل الامام الرضا (ع).
صمت له ألف لسان
للیالي مسجد جوهرشاد طابع خاص. في شبستان تبريزي يسري صمت روحاني وفي عمق هذا الصمت تتصاعد الأدعیة والهمسات بلهجات متعددة إلى السماء. شاب من نيجيريا إلى جانب طالب علم من حيدر آباد في الهند كلاهما غارق في الدعاء والمناجاة. وتلقي مصابيح المسجد ضياءها على وجوه من افريقيا وآسيا وأوروبا؛ وجوه يحمل كل منها حكاية مسافة طويلة وشوقا دفينا وفي هذا الفضاء الروحي تتحدث اللغات المختلفة كلها بلهجة واحدة هي لهجة الدعاء.
الضريح مقصد القلوب بلا حدود
ومع اقتراب السحر تمتد صفوف المعتكفين نحو الضريح المطهر. في هذه الصفوف لا معنى للون أو العرق؛ فالأسود والأبيض يجتمعون جميعا على طلب واحد«يا علي بن موسى الرضا». تمتزج دموع طالب لبناني بدعاء يهمس به طالب من الفلبين ويضع شاب من أذربيجان جبينه على الباب الذهبي للضريح مرددا: السلام عليك يا غريب الغرباء، وهذا السلام هو سلام كل القلوب التي ذاقت الغربة، ووجدت هنا أنيسها.
نداء القران بلهجات العالم
وفي زاوية من الشبستان تقام حلقات معرفية وقرآنية، يجتمع طلاب من بلدان مختلفة يتلو أحدهم من غانا فيما يهمس الآخرون بالآيات الالهية بلهجاتهم المختلفة. وفي هذا الفضاء الروحي، لا يوحد القرآن القلوب فحسب، بل يوحد الألسنة أيضا. ويتحدث أستاذ من جامعة المصطفى لمجموعة من طلاب جنوب آسيا عن المعارف الاسلامية، فيما تنصت وجوه هندية وباكستانية وبنغلادشية باهتمام بالغ وكأنما الامام الرضا (ع) في هذه الحلقات إمام للجميع من جاكرتا إلى بيروت.
افطار بسيط ملون بنفحات الجنة
وعند حلول وقت الافطار تمتد مائدة بسيطة لكنها ملیئة بالبركة؛ خبز وجبن وتمر وشاي متبرك من الحرم. وفي هذه الضيافة الصغيرة توجد مودة كبيرة. يصب طالب من أفغانستان الشاي لصديقه النيجيري فيبادله ابتسامة شكر. هنا لا تتصادم الثقافات بل تمتزج لتكمل بعضها بعضا. ضيافة أرضية تفوح منها ألوان الضيافة السماوية.
ثلاثة أیام من التحرر والعشق الروحي
ثلاثة أيام من الاعتكاف هي لهؤلاء الطلاب رحلة من الذات الى الله. رحلة تمحو الحدود وتشد القلوب إلى الحرم. يقول أحد المعتكفين من السنغال: هنا لا نشعر إلا بالله وإمامنا. أشعر بالقرب من أخي الباكستاني أكثر من ابن بلدي، لأن قلوبنا متصلة بنقطة واحدة؛ حرم الامام الرضا(ع).
وهنا يكمن سر معرض« الأمة الواحدة» الحي حيث تحت القبة الذهبية لا يبقى للشرق معنى ولا للغرب. حقيقة واحدة فقط تتلألأ، اسم «رضا» صار عالما بأسره في قلوب المشتاقين.