لاستعادة قراءة المكانة العابرة للمذاهب للإمام موسى بن جعفر (ع) وتأثير تعاليمه في تعزيز تقارب ووحدة الأمة، أجرينا حوارا مع آية الله محمد حسن أختري، رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي لأهل البيت (ع). وفيما يلي نص الحوار الكامل.
المرجعية العلمية؛ نقطة التقاء أتباع المذاهب
يقول آية الله أختري، مستندا إلى كتاب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» لابن عبد البر، إن الإمام الكاظم (ع) لم يُوصَف فقط بوصفه فقيهًا أمينًا في المصادر المعتبرة عند أهل السنة، بل وُصف أيضا بأنه بحر من العلوم. ويعدّه ابن عبد البر صاحبَ فضيلة لا نظير لها، ويشير إلى أن المذهب الجعفري يُنسب إلى اسمه (الاستيعاب، ج 1). كما أن هذه المكانة العلمية تتجلى أيضا فيما ذكره أبو نعيم الأصفهاني في «حلية الأولياء»، حيث وصف الإمام بأنه «الإمام الناطق»، وقال إن علمه كان كالنور الذي يبدد ظلمات الجهل (حلية الأولياء، ج 3).
ويشير هذا الخبير في تاريخ الإسلام إلى مناظرات الإمام (ع) مع أبي حنيفة، ويضيف: عندما طلب المنصور العباسي من أبي حنيفة أن يطرح على الإمام أربعين سؤالا معقّدا، جاءت أجوبته دقيقة إلى حدّ دفع أبا حنيفة إلى الاعتراف قائلا: «ما رأيت أفقه من موسى بن جعفر»، لأنه لم يكن يعلم فقهه فحسب، بل كان مطّلعا أيضا على آراء جميع المذاهب («مناقب أبي حنيفة»). وتدل هذه الحوارات على سبب اعتراف أهل السنة بالإمام مرجعا علميا؛ حتى إن الشافعي، مؤسس المذهب الشافعي، عبّر في شعر له عن أن محبة هذه الأسرة مصدر فخر، وهو ما يُعدّ شاهدا على النفوذ العلمي للإمام بين كبار علماء المذاهب («تذكرة الأولياء»).
العبودية الخالصة؛ مظهر الكرامة وموطن تأليف القلوب
يقول رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي لأهل البيت (ع)، مستندا إلى كتاب «تاريخ بغداد»، إن سجّان الإمام روى أنه كلما نظر إلى الإمام وجده ساجدا. وهذه الروحانية المفعمة بالخشوع والعبودية جعلت المصادر المعتبرة عند أهل السنة تطلق عليه لقب «العبد الصالح»؛ وهو اللقب الذي كرّره الخطيب البغدادي مرارا في ترجمته للإمام (تاريخ بغداد، ج 13).
ولقد جعلت هذه العبودية الخالصة من الإمام ملجأً لكل صاحب كرب، حتى إنه في أشد الظروف لم يجرِ على لسانه سوى الشكر والاستغفار. وهذه العظمة الروحية هي التي خلّدت روعة ميلاده في صفحات التاريخ بوصفه نموذجا صادقا للعبودية الخالصة لله تعالى.
ويتابع مشيرا إلى الكرامات المنقولة عن الإمام (ع) في المصادر القديمة: إن أبا علي الخلّال، وهو من كبار علماء المذهب الحنبلي، يذكر في كتاب «حلية الأولياء» صراحة أنه كلما واجهته مشكلة توسل بحرم الإمام الكاظم فتنفرج، بل ويعدّ شفاء ابنته من مرض شديد ثمرة هذا التوسل (حلية الأولياء، ج 3).
ويبيّن هذا الإقرار الصادر عن عالم حنبلي بارز أن لقب «باب الحوائج» ليس مجرد عنوان مذهبي، بل هو حقيقة تتجاوز المذاهب، ظلّت عبر القرون مصدر أمل ورابطة تجمع ملايين المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي. واليوم تتواصل هذه السنّة من قضاء الحوائج وظهور الكرامات في مرقد ابنه الإمام الرضا (ع).
سياسةُ المداراة؛ إرثٌ لصون السِّلم وتعزيز قوة الأمة
ویضیف آية الله أختري، مستندا إلى كتاب «تذكرة الخواص» لسبط بن الجوزي، إن عظمة الإمام الكاظم (ع) بلغت حدّا جعل حتى ألدّ خصومه، مثل هارون الرشيد، يعترفون بمقامه؛ إذ ورد في رسالة له إلى المأمون إقرار بأن موسى بن جعفر حجة الله على الأرض، وأن علمه ممتدّ الجذور إلى السماء («تذكرة الخواص»). وعلى الرغم من سنوات السجن الطويلة التي تحمّلها الإمام (ع)، فإنه لم يختر طريق العنف، بل اعتمد أسلوب الحكمة والمداراة، فأنشأ شبكةً ذكية من الوكلاء، واستفاد من نفوذ شخصيات مثل علي بن يقطين داخل البلاط العباسي. وبذلك قدّم نموذجا بديعا لما يمكن تسميته بالمقاومة السلمية الحكيمة؛ إدارةٌ إصلاحية خيرية أشارت إليها أيضا بعض المصادر القديمة، مثل «الموطأ» للإمام مالك بن أنس.
ويضيف، مشيرا إلى الوصايا الخالدة التي أوصى بها الإمام لابنه الإمام الرضا (ع)، أن الإمام الكاظم (ع) أكّد في الأيام الأخيرة من حياته المباركة على قول الحق حتى لو كان على حساب النفس، كما ورد في كتاب «تحف العقول». وتكشف هذه التعاليم الأخلاقية عن تقديم مصلحة وحدة الأمة على المصالح الشخصية؛ وهو إرث ثمين يتجلّى اليوم بوضوح في السيرة الرضوية، وفي احتضان الحرم الرضوي لجميع أتباع المذاهب. كما يمثّل هذا النهج درسا مهما لعالم الإسلام في زماننا.
الإرث الخالد؛ من الكرامة إلى وحدة الأمة
ويقول آية الله أختري، مشيرا إلى كتاب «شذرات الذهب»، إن الإمام الكاظم (ع) يُعدّ رمزا للصبر والمقاومة؛ إذ يؤكد ابن عماد الحنبلي في هذا الكتاب أن حرم الإمام الكاظم (ع) أصبح ملجأً لكل إنسانٍ مكروب («شذرات الذهب»).
كما يروي سبط بن الجوزي في «تذكرة الخواص» أنه في يوم وداع الإمام، جلس أهل بغداد من مختلف المذاهب والاتجاهات في حزن واحد، حتى بدا وكأن المدينة كلها تبكي فقدان ابن واحد؛ مشهدٌ خلّد في صفحات التاريخ صورة مؤثرة لوحدة الأمة الإسلامية («تذكرة الخواص»).
ويؤكد المدير التنفيذي لمؤسسة عاشوراء الدولية، مستندا إلى حديث في كتاب «أصول الكافي»، أن قول الإمام موسى الكاظم (ع): «عاملوا الناس بما تحبون أن يُعاملوكم به» يمثّل جوابا واضحا على الخلافات القائمة اليوم. كما أن اعتراف ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة» بأن موسى بن جعفر (ع) كان من أعظم عُبّاد بني هاشم يُعدّ دليلًا على ذلك. فعندما يقرّ حتى المنتقدون بعظمة هذه الشخصية، ويصفه العطار النيسابوري في «تذكرة الأولياء» بأنه إمام العارفين، فإن سيرة الإمام (ع) تشكّل أفضل أساس للحوار بين المذاهب؛ كما أكدت جامعة الأزهر في مصر، من خلال نشر كتاب يسلّط الضوء على دوره في توحيد الكلمة («منهاج السنة»، «تذكرة الأولياء»).
وفي ختام حديثه، أشار آيةُ الله أختري إلى رواية وردت في كتاب «مطالب السؤول»، قائلًا: إن اعتراف أبي علي الخلّال، أحد أئمة المذهب الحنبلي، بأن التوسّل بالإمام الكاظم (ع) كان سببا في تفريج كرباته وحلّ عقد حياته، يُعدّ شهادة واضحة على أن محبّة أهل البيت (ع) تتجاوز الحدود المذهبية وتجمع القلوب.
كما تتجلّى هذه السيرة السامية في أدعيته ومناجاته؛ فقد ورد في كتاب «مصباح المتهجّد» أن الإمام كان يسأل الله في مناجاته أن يبلّغه مقام المتقين، ليؤكد أن كمال الإنسان إنما يتحقق في ظل التقوى والعبودية، لا في الفرقة وادعاء التفاضل.
واليوم، فإن الاسم المبارك للإمام الكاظم (ع) أشبهُ بمطرِ رحمة يغسل رماد الخلافات، ويُنبت في عالم تحرقه نار التفرقة، براعمَ الأمل والوحدة.