آخر الأخبار
رمز الخبر : ۴۲۴
۱۷:۲۵

۲۰۲۶/۰۶/۰۶
في حوار مع رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي لأهل البيت (ع) 

ميلاد باب الحوائج (ع) وتجلي إرثه الخالد؛ من الكرامة والوحدة إلى رفع الخلافات بين أبناء الأمة

۷۹۶۹
في العشرين من ذي الحجة، تمتلیء صحون وأروقة الحرم الرضوي الشریف بعبق ميلاد أب كان وما يزال ملاذاً دائماً للمكلومين و«باب الحوائج» للأمة. واليوم في مشهد الرضا (ع)، يحتفل الزائرون والمجاورون في ظل ثامن الشموس بميلاد عبد صالح ظلّت سيرته الصبورة ونظرته الوحدوية عبر القرون حبلاً يربط بين مذاهب الأمة الإسلامية؛ أبٌ تجلّى ميراث صبره ومداراته اليوم في كرم ضيافة ابنه البار لكل أبناء الأمة الإسلامية.

لاستعادة قراءة المكانة العابرة للمذاهب للإمام موسى بن جعفر (ع) وتأثير تعاليمه في تعزيز تقارب ووحدة الأمة، أجرينا حوارا مع آية الله محمد حسن أختري، رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي لأهل البيت (ع). وفيما يلي نص الحوار الكامل.
المرجعية العلمية؛ نقطة التقاء أتباع المذاهب
يقول آية الله أختري، مستندا إلى كتاب «الاستيعاب في معرفة الأصحاب» لابن عبد البر، إن الإمام الكاظم (ع) لم يُوصَف فقط بوصفه فقيهًا أمينًا في المصادر المعتبرة عند أهل السنة، بل وُصف أيضا بأنه بحر من العلوم. ويعدّه ابن عبد البر صاحبَ فضيلة لا نظير لها، ويشير إلى أن المذهب الجعفري يُنسب إلى اسمه (الاستيعاب، ج 1). كما أن هذه المكانة العلمية تتجلى أيضا فيما ذكره أبو نعيم الأصفهاني في «حلية الأولياء»، حيث وصف الإمام بأنه «الإمام الناطق»، وقال إن علمه كان كالنور الذي يبدد ظلمات الجهل (حلية الأولياء، ج 3).
ويشير هذا الخبير في تاريخ الإسلام إلى مناظرات الإمام (ع) مع أبي حنيفة، ويضيف: عندما طلب المنصور العباسي من أبي حنيفة أن يطرح على الإمام أربعين سؤالا معقّدا، جاءت أجوبته دقيقة إلى حدّ دفع أبا حنيفة إلى الاعتراف قائلا: «ما رأيت أفقه من موسى بن جعفر»، لأنه لم يكن يعلم فقهه فحسب، بل كان مطّلعا أيضا على آراء جميع المذاهب («مناقب أبي حنيفة»). وتدل هذه الحوارات على سبب اعتراف أهل السنة بالإمام مرجعا علميا؛ حتى إن الشافعي، مؤسس المذهب الشافعي، عبّر في شعر له عن أن محبة هذه الأسرة مصدر فخر، وهو ما يُعدّ شاهدا على النفوذ العلمي للإمام بين كبار علماء المذاهب («تذكرة الأولياء»).
العبودية الخالصة؛ مظهر الكرامة وموطن تأليف القلوب
يقول رئيس المجلس الأعلى للمجمع العالمي لأهل البيت (ع)، مستندا إلى كتاب «تاريخ بغداد»، إن سجّان الإمام روى أنه كلما نظر إلى الإمام وجده ساجدا. وهذه الروحانية المفعمة بالخشوع والعبودية جعلت المصادر المعتبرة عند أهل السنة تطلق عليه لقب «العبد الصالح»؛ وهو اللقب الذي كرّره الخطيب البغدادي مرارا في ترجمته للإمام (تاريخ بغداد، ج 13).
ولقد جعلت هذه العبودية الخالصة من الإمام ملجأً لكل صاحب كرب، حتى إنه في أشد الظروف لم يجرِ على لسانه سوى الشكر والاستغفار. وهذه العظمة الروحية هي التي خلّدت روعة ميلاده في صفحات التاريخ بوصفه نموذجا صادقا للعبودية الخالصة لله تعالى.
ويتابع مشيرا إلى الكرامات المنقولة عن الإمام (ع) في المصادر القديمة: إن أبا علي الخلّال، وهو من كبار علماء المذهب الحنبلي، يذكر في كتاب «حلية الأولياء» صراحة أنه كلما واجهته مشكلة توسل بحرم الإمام الكاظم فتنفرج، بل ويعدّ شفاء ابنته من مرض شديد ثمرة هذا التوسل (حلية الأولياء، ج 3).
ويبيّن هذا الإقرار الصادر عن عالم حنبلي بارز أن لقب «باب الحوائج» ليس مجرد عنوان مذهبي، بل هو حقيقة تتجاوز المذاهب، ظلّت عبر القرون مصدر أمل ورابطة تجمع ملايين المسلمين في أنحاء العالم الإسلامي. واليوم تتواصل هذه السنّة من قضاء الحوائج وظهور الكرامات في مرقد ابنه الإمام الرضا (ع).
سياسةُ المداراة؛ إرثٌ لصون السِّلم وتعزيز قوة الأمة
ویضیف آية الله أختري، مستندا إلى كتاب «تذكرة الخواص» لسبط بن الجوزي، إن عظمة الإمام الكاظم (ع) بلغت حدّا جعل حتى ألدّ خصومه، مثل هارون الرشيد، يعترفون بمقامه؛ إذ ورد في رسالة له إلى المأمون إقرار بأن موسى بن جعفر حجة الله على الأرض، وأن علمه ممتدّ الجذور إلى السماء («تذكرة الخواص»). وعلى الرغم من سنوات السجن الطويلة التي تحمّلها الإمام (ع)، فإنه لم يختر طريق العنف، بل اعتمد أسلوب الحكمة والمداراة، فأنشأ شبكةً ذكية من الوكلاء، واستفاد من نفوذ شخصيات مثل علي بن يقطين داخل البلاط العباسي. وبذلك قدّم نموذجا بديعا لما يمكن تسميته بالمقاومة السلمية الحكيمة؛ إدارةٌ إصلاحية خيرية أشارت إليها أيضا بعض المصادر القديمة، مثل «الموطأ» للإمام مالك بن أنس.
ويضيف، مشيرا إلى الوصايا الخالدة التي أوصى بها الإمام لابنه الإمام الرضا (ع)، أن الإمام الكاظم (ع) أكّد في الأيام الأخيرة من حياته المباركة على قول الحق حتى لو كان على حساب النفس، كما ورد في كتاب «تحف العقول». وتكشف هذه التعاليم الأخلاقية عن تقديم مصلحة وحدة الأمة على المصالح الشخصية؛ وهو إرث ثمين يتجلّى اليوم بوضوح في السيرة الرضوية، وفي احتضان الحرم الرضوي لجميع أتباع المذاهب. كما يمثّل هذا النهج درسا مهما لعالم الإسلام في زماننا.
الإرث الخالد؛ من الكرامة إلى وحدة الأمة
ويقول آية الله أختري، مشيرا إلى كتاب «شذرات الذهب»، إن الإمام الكاظم (ع) يُعدّ رمزا للصبر والمقاومة؛ إذ يؤكد ابن عماد الحنبلي في هذا الكتاب أن حرم الإمام الكاظم (ع) أصبح ملجأً لكل إنسانٍ مكروب («شذرات الذهب»).
كما يروي سبط بن الجوزي في «تذكرة الخواص» أنه في يوم وداع الإمام، جلس أهل بغداد من مختلف المذاهب والاتجاهات في حزن واحد، حتى بدا وكأن المدينة كلها تبكي فقدان ابن واحد؛ مشهدٌ خلّد في صفحات التاريخ صورة مؤثرة لوحدة الأمة الإسلامية («تذكرة الخواص»).
ويؤكد المدير التنفيذي لمؤسسة عاشوراء الدولية، مستندا إلى حديث في كتاب «أصول الكافي»، أن قول الإمام موسى الكاظم (ع): «عاملوا الناس بما تحبون أن يُعاملوكم به» يمثّل جوابا واضحا على الخلافات القائمة اليوم. كما أن اعتراف ابن تيمية في كتابه «منهاج السنة» بأن موسى بن جعفر (ع) كان من أعظم عُبّاد بني هاشم يُعدّ دليلًا على ذلك. فعندما يقرّ حتى المنتقدون بعظمة هذه الشخصية، ويصفه العطار النيسابوري في «تذكرة الأولياء» بأنه إمام العارفين، فإن سيرة الإمام (ع) تشكّل أفضل أساس للحوار بين المذاهب؛ كما أكدت جامعة الأزهر في مصر، من خلال نشر كتاب يسلّط الضوء على دوره في توحيد الكلمة («منهاج السنة»، «تذكرة الأولياء»).
وفي ختام حديثه، أشار آيةُ الله أختري إلى رواية وردت في كتاب «مطالب السؤول»، قائلًا: إن اعتراف أبي علي الخلّال، أحد أئمة المذهب الحنبلي، بأن التوسّل بالإمام الكاظم (ع) كان سببا في تفريج كرباته وحلّ عقد حياته، يُعدّ شهادة واضحة على أن محبّة أهل البيت (ع) تتجاوز الحدود المذهبية وتجمع القلوب.
كما تتجلّى هذه السيرة السامية في أدعيته ومناجاته؛ فقد ورد في كتاب «مصباح المتهجّد» أن الإمام كان يسأل الله في مناجاته أن يبلّغه مقام المتقين، ليؤكد أن كمال الإنسان إنما يتحقق في ظل التقوى والعبودية، لا في الفرقة وادعاء التفاضل.
واليوم، فإن الاسم المبارك للإمام الكاظم (ع) أشبهُ بمطرِ رحمة يغسل رماد الخلافات، ويُنبت في عالم تحرقه نار التفرقة، براعمَ الأمل والوحدة.


تقرير الخطأ

نشر التعليقات
captcha
  • اختيارات المحرر
  • آخر الأخبار
مدينة الشمس تستعد لمراسم وداع قائد الأمة الشهيد حضور حشود غفيرة في مشهد والوداع الأخير للقائد الشهيد إعادة فتح متحف القرآن وهدايا قائد الثورة الشهيد في الحرم الرضوي الشریف البیان رقم أربعة للعتبة الرضوية المقدسة بشأن مراسم تشييع ودفن قائد الثورة الإسلامية الشهيد إنّ تشييع قائد الثورة الشهيد (رحمة الله عليه) في مشهد هو الحدث التاريخي الأكبر في العصر الحاضر برنامج «قائد الأمة» التلفزيوني المباشر إقامة حفل تأبين القائد الشهيد (رحمة الله عليه) بفعاليات متنوعة في مكتبة ومتحف العتبة الرضوية المقدسة الحرم الرضوي الشریف ليس مغلقا في أيام وداع القائد الشهيد بيان متولي العتبة الرضوية المقدسة لدعوة الناس للمشاركة في مراسم تشييع القائد الشهيد كان القائد الشهيد قرآنيّا عبقريّا وكان عاملا بتعاليم القرآن الاستعدادات الواسعةُ لمؤسسة الكرامة الرضويّة لخدمة الزائرينَ والمُعزّينَ في تشييع القائدِ الشهيد تجهيز الحرم الرضوي الشریف استعدادا لمراسم تشييع قائد الثورة الشهيد إعادة افتتاح متحف القرآن وهدايا القائد الشهيد الإمام الخامنئي (رضوان الله تعالى عليه) في الحرم الرضوي الشریف استقرار أكثر من 2100 من الكوادر الطبية في الأماكن المتبرکة بالحرم الرضوي الشریف استعدادا لمراسم تشييع القائد الشهيد اختيار صيدلية الإمام (ع) المركزية كـ «الصيدلية المعينة للجامعة» في مشهد خدام الشمس جاهزون للإستضافة؛ من إسكان 20 ألف زائر معز إلى إطعام مليون شخص يوميا البرامج العلمية والثقافية الخاصة بمجمع البحوث الإسلامية التابع للعتبة الرضویة المقدسة في أيام تشييع القائد الشهيد (رحمة الله عليه) استعداد المكتبة والمتحف الرضويان لاستضافة زوار مراسم تشييع القائد الشهيد (رضوان الله تعالى عليه) في مدينة مشهد تجهيز مواكب العتبة الرضوية المقدسة صور قائد الثورة الإسلامیة الشهید في مراسم إزالة الغبار عن ضريح الإمام الرضا عليه السلام العتبة الرضوية المقدسة تنفذ أربع لوحات جدارية خاصة بمناسبة تشييع ودفن قائد الثورة الشهيد في الحرم الرضوي الشريف